تعديل الشهادات الجامعية.. الخريج مدان إلى أن يثبت العكس

تعديل الشهادات مغامرة يخشاها الطلاب منذ اللحظات الأولى.. 
 معاون وزير التعليم العالي: ضبطنا محاولات تزوير شهادات والإجراءات لضمان سلامة المجتمع  
سنوات عديدة يقضيها المجتهد في طلب العلم وتحصيل الشهادات العلمية، دارساً ومتابعاً، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً؛ هو بناء المستقبل المحترم له ولأفراد أسرته، من خلال العمل الشريف اللائق، سواء في تعليم أبناء جلدته ما تعلَّمه أم في تنفيذ خبراته في ميادين المجتمع بشكل عام..
وفي كلتا الحالتين، يكون قد وضع لبنة أساسية ومفيدة في بناء مستقبل الوطن، سواء كان قاصداً ذلك أم لا.. وينقسم هؤلاء المجتهدون إلى قسمين: القسم الأول درس وتعلَّم وأتمَّ سنوات تخرُّجه داخل البلد، حيث التعليم المجاني وسهولة العيش والطمأنينة بين أحضان الأهل والأقارب والأصدقاء. والقسم الآخر يملك الطموح المختلف، لكنه لم يجد في بلده اختصاصاً متوافقاً مع مواهبه، أو أنه سبر سوق العمل والخدمات في المجتمع، فوجدها ناقصة أو قاصرة، لذا قرَّر السفر إلى خارج البلاد لاستكمال هذا النقص وسد القصور والاستفادة الشخصية..
في العموم، القسم الثاني يعدُّ مهماً بطريقة أو بأخرى، لأنه يجلب قيمة مفقودة في وطنه، وينقل العلوم من الخارج إلى الداخل، ويسهم في فتح آفاق علمية ودراسية جديدة، وبالتالي تأهيل الكوادر القادرة على نشر هذا العلم أو الاختصاص ليكتمل نصاب العلم في جامعاتنا ومدارسنا، وفي شتى نواحي المجتمع، فهو يعدُّ من الكنوز الثمينة التي يجب الحفاظ عليها، وتقديم التسهيلات اللازمة لها.. وبالتالي، العراقيل التي قد يواجهونها عند عودتهم، ووضع بعضهم العصي في عجلات تقدُّمهم، تعدُّ جريمة في حقِّ كلِّ مَن يمكن أن يستفيد منهم ومِن خبراتهم، وهذا حقيقة ما يحدث حالياً، حيث يعاني طلاب وخرّيجون كثر من وضع مزرٍ في ما يخصُّ إجراء تعديل الشهادات الأجنبية، الذي تلزم وزارة التعليم العالي به كلَّ الطلاب الحاصلين على شهادات عليا من الخارج.. والإجراء بإيجاز هو: “تقييم المواد الدراسية والسنوات التي أهّلت هذا الخريج للحصول على الشهادة، وبالتالي إما الاعتراف بالشهادة كما هي، وإما فرض مواد دراسية معيَّنة يجب عليه الامتحان بها، حتى تكتمل شهادته، وفقاً للمواصفات السورية”، وهذا الإجراء متَّبع في جميع دول العالم.. أما الإجراء الذي لايوجد إلا في سورية، فهو أن يمضي الخريج سنوات طوال في محاولة تعديل شهادته، أو أن يلجأ إلى الصحافة، آملاً أن تُحلَّ مشكلته ويتمَّ الاعتراف به كرجل علم وإنسان جدير بالإنتاج الثقافي والعلمي على حدٍّ سواء، وأن يكون جديراً باحترام الموظفين القائمين على روتين تعديل الشهادة.
من هؤلاء “البؤساء”، شاب أمضى ما يقارب ثماني سنوات في الحصول على شهادته، التي يفتخر بها، من إحدى الجهات التعليمية في لبنان. وعند عودته إلى سورية، قامت الوزارة بتعديل شهادته، واختباره، والقيام بكلِّ ما يلزم لتعديل شهادته التي لايحمل مثلها أيُّ خريج في سورية، وبدأ ممارسة عمله المستند إلى شهادته في جامعة البعث والمعهد العالي للموسيقا.. ولكن، من دون سابق إنذار، اكتشف أنَّ شهادته لم يتمّ تعديلها، وأنَّ التعديل الأول كان قاصراً ومطعوناً فيه قانونياً، لتبدأ رحلته مع العذاب والروتين والمراجعات الكثيرة والتفصيلية، التي أفضت في النهاية إلى أنَّ شهادته تعادل شهادة الثانوية العامة فقط لاغير، مع العلم بأنه يدرّس ويشرف على تخرُّج طلاب هم، بحسب التقييم الرسمي، في مستوى يفوقه دراسياً. يقول: “قمت بما يلزم وما طُلب مني لتعديل الشهادة.. لم يطلبوا ورقة إلا وقمت بإحضارها، ولم يطلبوا شهادة، متكبِّداً عناء السفر إلى لبنان والترحال بين السفارات ووزارات الخارجية والتصديق وما إلى ذلك، حتى انتهى بي المطاف إلى خريج حاصل على ما يشابه الشهادة الثانوية”.
Image  الجهات الرسمية أكَّدت أنَّ هناك كثيراً من التفاصيل التي يجب معرفتها حول هذه الحالة، أولها أنَّ هناك خلافاً حول المواد التي درسها ومطابقتها مع المواد المتعارف عليها دولياً في مجال شهادته. ولكن مهما كان السبب، قام هذا الشاب بالعودة إلى لبنان واستكمال الدراسة التي لم يكن مضطرَّاً إلى استكمالها، فشهادته كانت كافية، لكنه- كما يقول- تماشى مع الوضع في البلد، ولايريد أن يهجر سورية، فشهادته معترف بها في كلِّ بلدان العالم، ووضعه سيكون أكثر ثقة وأكثر إدراراً للمال لو كان في بلد آخر، لكنه أحجم عن السفر، فكلُّ حلمه أن تكون كلُّ إنجازاته الشخصية على أرض وطنه وبين أهله، الأمر الذي لايمكن أن تفهمه الأوراق والروتين والقوانين.
 فتاة أخرى، حاصلة على الدكتوراه من الجامعات المصرية، وهي- كما تقول- موفدة من جامعات سورية، مازالت تنتظر تعديل شهادتها، لأنَّ جدول أيام الدوام والوجود في مصر لم يكن مطابقاً للجداول المطلوبة رسمياً، وبالتالي فقد توقَّف تعديل شهادة الدكتوراه أو الاعتراف بها، بسبب أيام لاتتعدَّى الأسبوع، فهل تعود لتعمل في مصر حيث الاعتراف بشهادتها لايتطلَّب كلَّ هذه التعقيدات ولايستنزف الوقت والجهد، رغم أنها مُصرَّة على أن تبقى هنا وتتابع الموضوع، حتى لو أمضت سنوات وهي تتعامل مع مكتب تعديل الشهادات في الوزارة المعنية.. وجهة نظر المسؤولين في هذه القضية صحيحة تماماً، فمخالفة اللوائح تفرض إجراءات معيَّنة لامحيد عنها. والسؤال هنا: هل حقَّق بلدنا الاكتفاء الذاتي من الخبراء والعلماء والاختصاصيين حتى نؤخِّر هذه الكوادر عن عملها؟.. ألا يمكن تسريع الإجراءات لتتمَّ الاستفادة الكاملة من عملها؟..
 تقول إحداهن: “أحمل شهادة دكتوراه، ولايمكنني أن أشرف على مشاريع التخرُّج في الجامعة التي أدرس فيها، عدا عن أنَّ راتبي قليل مقارنةً بزملائي، وحجم العمل المطالبة به لايمكن تحقيقه، لتأخُّر الاعتراف بالشهادة”.
 شاب آخر، وهو أيضاً ممن يداومون على مراجعة وزارة التعليم العالي، يقول: “يجب التوقُّف ملياً والتمحيص في أجواء مكتب الشهادات وتعديل الشهادات في الوزارة، فهل من المعقول أن أغترب أكثر من 17 سنة لأعود حاملاً شهادة الدبلوم التي اعترفت بها كلُّ الجهات المختصة، وبعد التسجيل في النقابة المختصة تمَّ إيقافي بحجة تزوير الدبلوم”.. وطبعاً، بعد أخذ وردٍّ بين الجهات المعنية في سورية وسفارة الدولة التي حصل على الدبلوم فيها، وتأكيدات السفارة أنَّ شهادته صحيحة وخالية من أيِّ عيب أو تزوير.. وبعد نفي التهمة التي وجهها إليه أحد الموظفين السوريين؛ بأنَّ شكل صاحب الشهادة “مزوّر”، وبعد مقابلة مع الوزير المختص، حصل على التطمينات؛ بأنَّ الوزارة تدرك تماماً أنَّ شهادته صحيحة، وأنه دائماً تحصل أخطاء وتقصير، وأنَّ الوزير اطَّلع على ملفه، ويعلم أنه ظُلم ووعده بالردّ السريع الذي لم يأتِ حتى الآن.
في الجهة المقابلة، كان هناك خريجون لم يبدوا أيَّ انتقاد لعملية التعديل، وقالوا: عندما يلتزم الإنسان بالتعليمات، فإنَّ مجهوده لن يضيع.. قد يتأخَّر، ولكنه لن يضيع.. لكن هذا التأخّر تطلَّب من أحدهم أكثر من سبع سنوات، ومازالت المحاولات مستمرَّة لتعديل شهادته.

التأخير في التعديل سببه الطلاب.. والوزارة بريئة
المعنيّون في وزارة التعليم العالي، كان لهم رأي مخالف تماماً لما عرضناه. الدكتورة فاتنة الشعال، معاون وزير التعليم العالي، والمسؤولة حالياً عن قضايا التعديل، أبدت استغرابها من الانتقادات الموجَّهة إلى مكتب تعديل الشهادات الخارجية، داعيةً جميع المتضرِّرين، أو مَن لديهم قضايا عالقة مع المكتب المذكور، إلى التقدُّم بما لديهم، وبشكل نظامي ورسمي، حتى تتمَّ الاستجابة لطلبهم بالسرعة القصوى، فـ: “بابي مفتوح للجميع”، تقول الشعال.. وتكمل: “قمت شخصياً بالإشراف على أرشفة وترتيب جميع طلبات تعديل الشهادات، التي لاتتعدَّى الـ500 طلب فقط لاغير”.. وشرحت الشعال التسلسل الذي تمرُّ فيه طلبات تعديل الشهادات، بداية من النافذة الواحدة، وحتى لجان الفحص، وأخيراً تعديل الشهادة، مروراً بالتمحيص والتأكُّد من صدقية الشهادات المعروضة؛ من خلال الاتصال بالجهات المعنية في البلد الذي صدرت منه الشهادة.. وقالت: “نحن نقوم بعمل جبّار لنتمكَّن من رفد المجتمع بكوادر علمية حقيقية لامزوَّرة”.. وذكرت عدداً من حالات تزوير الشهادات الخارجية المختلفة، وكيف تمَّت إحالة المزوِّرين إلى القضاء المختص. وأجابت الشعال عن عدة قضايا عالقة طرحتها “بلدنا”، كقضية الشاب خريج لبنان، الذي رُفضت شهادته كاملة، وتمَّ تعديلها على أساس أنها ثانوية عامة في سورية، حيث أكَّدت أنَّ الوزارة تواصلت مع الجهات المختصة في لبنان، وتبيَّن في الثبوتيات، التي زوَّدتنا بنسخة منها، أنَّ شهادته لايمكن أن تُعدَّل إلا بشهادة ثانوية، حسبما وثَّقته أوراق الدولة اللبنانية. وعلَّقت الشعال: “إنَّ الوزارة تعتزُّ بالكوادر العلمية مهما كان اختصاصها، فكلُّ علم هو فائدة للوطن والمجتمع”..
 وأضافت: “ما نريده من الطلبة أن يتأكَّدوا من أننا جهة رسمية حكومية، ولانملك ضغينة ضد أحد، فما نراه خلال العمل هو الأوراق والتواقيع والثبوتيات، فإذا كانت كاملة سار العمل بشكل سهل وسريع ونظامي، والعكس صحيح، فالأوراق الناقصة، أو غير النظامية، ستتسبَّب في التأخير”.. وذكرت أيضاً كثيراً من الأمثلة عن الأوراق الناقصة، ومن أكثر ما يتكرَّر، أو ما يتقصَّد الطالب أن يخفيه، هو جواز السفر، بذريعة أنَّ الجواز مفقود، لأنه يعلم أنَّ جواز السفر هو الوثيقة التي تثبت تقيُّده والتزامه بالمدة الزمنية المحدَّدة للدراسة في الخارج.. وأكَّدت أنَّ 90 % من الأوراق المُقدَّمة تكون دون جواز سفر، وهذا دليل- كما تقول- على أنَّ الطالب يخفي شيئاً ما.. ومع ذلك- تقول الشعال: “نحن نتابع معه قضية فقدان جواز السفر، ونصبر عليه، ونمهله لإيجاده، أو إحضار أوراق الإثبات للمدة الزمنية، وفي كثير من الأحيان نقوم نحن بالاتصال والاستفسار عن الأمر، اختصاراً للوقت وقفزاً فوق الروتين، وهذا كله يصبُّ في مصلحة الطالب في النهاية”.

 
 المدة الزمنية عائق.. والحلول قريبة
بالسؤال عن قضية الآنسة الحائزة شهادة الدكتوراه من مصر، أكَّدت الشعال أنَّ هناك خللاً في أيام الدوام، بالاستناد إلى الجداول والقوانين التي وضعت لمصلحة المواطنين في الدرجة الأولى.. وفي نظرها، أنَّ قليلاً من التأخير لتعويض بعض النقص أفضل من الاستمرار في أمر ناقص أصلاً.  وعزت التأخير إلى إهمال الطلاب مراجعةَ المكاتب المختصة، وأعطت مثالاً عن أحد الطلاب الذين أبدوا الاستياء من أنَّ أوراقه قد تأخَّرت أكثر من أربع سنوات، وبعد مراجعة موضوعه تبيَّن أنه عندما طُلب منه تسجيل الأوراق في الديوان وإيداعها لدى المكتب المختص، فهم الموضوع بشكل مبهم، حيث قام بتسجيلها في الديوان ثم اصطحابها إلى المنزل، وبقي طوال المدة منتظراً دوره الذي لاعلم لأحد به في الوزارة، ثم أتى ليشتكي طول المماطلة. فالتأخير، تقول الشعال، ليس بسبب إجراءات الوزارة، إنما بسبب إهمال الطالب أوراقَه.. وبيَّنت أنها قد وجَّهت الموظفين المخصِّصين باستلام أوراق الطلاب، برفض الاستلام في حال نقص ورقة واحدة، حتى لايرتبك الطالب ويشعر بأنه مهمل.
وعرضت لـ”بلدنا” حالة إحدى الطالبات، التي تمَّ البتُّ في شهادتها، وحُدِّد لها عدد المواد التي يجب أن تقدِّم الامتحان بها لتعديل الشهادة، لكن الفتاة أهملت الامتحان وتقديم المواد، الأمر الذي دفع الشعال إلى الاتصال بها شخصياً لسؤالها عن سبب امتناعها عن تقديم المواد، وطبعاً “كانت الأعذار اعتباطية وغير مسؤولة”، بحسب قول الشعال.
 وهنا تطرَّقت “بلدنا” إلى موضوع المدة الزمنية للدوام، والتي تعرَّضت إلى كثير من الانتقادات من قبل معظم الطلاب والخريجين؛ بأنَّ هناك كثيراً من الاختصاصات النظرية التي لاتحتاج إلى دوام فعلي، كما الاختصاصات النظرية في سورية، فهناك طلاب في سورية لايحضرون إلا وقت الامتحانات، وهذا لايؤثِّر في حصولهم على الشهادات. أجابت الشعال، بأنَّ هذا الموضوع تمَّ طرحه للنقاش في الوزارة، حيث تمَّ التوصُّل إلى مشروع مبدئي لتخفيض المدة من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر، كما وجَّه السيد الوزير بدراسة تخفيض عدد المواد التي تفرض على المخالفين في المدة الزمنية، والتي كان من المقترح أن تكون 14 مادة؛ نظراً إلى تقليص المدة إلى ثلاثة أشهر، لكن وزير التعليم العالي اعترض على كثرة المواد، وطلب دراسة متكاملة لإنقاص العدد، ليكون أكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
 
Image موظفة محدَّدة في الوزارة كانت مستقرّ الشكاوى
أجمع معظم المراجعين، بخصوص التعديل، على أنَّ ما يستفزُّهم ويجعلهم في حيرة من أمرهم، هو إحدى الموظفات، التي كانوا يتكلَّمون عنها وكأنها جبّار من الجبابرة، وذكروا بالتفصيل الطريقة التي تتعامل بها معهم، والتي وصفوها بـ”المتعالية”، والتي لاتتناسب مع الشهادة التي يحملها الخريجون.. قال أحد هؤلاء المراجعين: “كانت هي مَن يجعلني أحقد على الوزارة، وزرعت في نفسي أنَّ هناك مَن يتقصَّد إيذائي شخصياً، وهذا ما يدفعني إلى الانفعال والاستنفار”. وأكَّد هذا الشعور أكثر مِن مراجع، وشدَّدوا على الفوقية والتحدِّي الكامن في كلِّ كلمة كانت تتبادلها معهم، وكأنهم خلقوا أنداداً لها، وكثير منهم وافقوا على إجراء المقابلة مع “بلدنا”، شرط أن يتمَّ ذكر اسم هذه الموظفة علناً، الأمر الذي تفهَّمته الدكتورة الشعال، وبرَّرت تصرُّف الموظفة بأنَّ عملها يتطلَّب الدقة الشديدة والتركيز الدائم، وهذا ما يجعلها في توتر دائم، ولاصحة- بحسب ما أكَّدت الشعال- لما يعتقده المراجعون.. وأوضحت أنَّ الموظفة تعدُّ مِن الموظفات المتميزات في العمل المطلوب منها، وأنَّ كلَّ مَن يشعر بالضيق وعدم الارتياح، بإمكانه مراجعة مكتبها مباشرة.. التعاون الذي أبدته وزارة التعليم العالي، والوثائق التي قدَّمتها لـ”بلدنا”، كانت كفيلة بشرح كلِّ ما طُرح من أسئلة واتهامات، وناشدت الشعال كلَّ مَن يشعر بالغبن والظلم مراجعة الوزارة، وسيجد التعاون الكامل.

عتب من اتحاد الطلبة
يقول كنج فاضل، نائب رئيس الاتحاد الوطني لطلبة سورية، رئيس مكتب الفروع الخارجية: “لاحلَّ لمشكلات الموفدين إلا بالإفراج عن قانون البعثات العلمية”.. ونوَّه إلى أنَّ اتحاد الطلبة قد سجَّل رسمياً بعض الملاحظات والتحفُّظات على المشروع المقترح من وزارة التعليم العالي، الذي رفع إلى رئاسة مجلس الوزراء، وأنَّ الاتحاد قدَّم كثيراً من الصيغ التي وجد أنها مناسبة لتعديل العديد من المواد والبنود، لتكون أكثر عدالة وضمانة لمصالح الطلبة.. وأشار فاضل إلى أنَّ الاتحاد اقترح أن تعطى للخريج الموفد مدة 90 يوماً بعد التخرُّج، بدلاً من ستين يوماً، كي يضع نفسه تحت تصرُّف مديرية البعثات.. ويرى أنَّ هذه المدة كافية كي ينهي الطالب كلَّ الإجراءات في بلد الإيفاد، المتعلِّقة باستلام شهادته ونقل أغراضه وكلّ ما يتعلَّق بأمور حياته الجامعية والاجتماعية.. وبذلك- يضيف فاضل- يمكن تجنيب الطالب مخالفة قانون الدوام، والالتزام بتواريخ محددة إن خالفها كانت النتائج لا تحمد عقباها عليه .

 
إجراءات جديدة في الوزارة لتسهيل عملية التعديل والمراجعة
تقول الشعال: “لقد أدخلنا نظام الأتمتة لاستيعاب كلِّ الطلبات القديمة والحديثة، ويتمُّ الآن إدخال البيانات جميعها إلى برامج حاسوبية بُرمجت خصيصاً لهذا الهدف، ونعد الطلاب باختصار الإجراءات الروتينية بشكل كبير، ونطلب منهم الدقة في تقديم طلباتهم وأوراقهم، وتوخِّي الحذر من التزوير والمغامرة”.
الوقت نهر لايمكن أن يستغلُّه المرء مرتين، فضياع الثواني يماثل تماماً ضياع الأيام والسنوات، وكلما تأخَّر الوطن في استغلال الخبرات التي يمكنه العمل عليها، والتعاون معها، تأخَّرت سرعة مواكبة التطوّر الحضاري، والجميع في هذا متّهم، طالما أنَّ هنالك أساليب يمكن فيها اختصار الوقت والجهد وانتهاز الفرص لتحقيق العدالة والصدق والتعاون في سبيل حماية البناء الثقافي والعلمي في سورية.

إلى أحيائهم.. عادوا فرادى.. وتكاتفوا جماعات

عودة النازحين إلى منازلهم 
 “إصلاح بعضها خير من البدء من جديد.. وخوفنا الوحيد أن نكون دروعاً بشرية “ 
في غمرة الصراع الدائر بين سياسات لا علم للعامة بها، تنهمر دموع هؤلاء على مستقبل ضائع، أو على حب تاهت أماكن ذكرياته، أو على منزل حملت جدرانه آلاف الصور الذهنية عن اجتماع العائلة ومشكلاتها وابتساماتها، وعن أفراحها وأحزانها. في غمرة هذا الصراع، وبين مسيلات تلك الدموع، ضاعت آمال كثير من أهالي المناطق المنكوبة في العودة إلى منازلهم؛
إلى المكان الذي يحمل ما يحمل من حبّهم وأملهم ومستقبلهم، بعد أن وجدوا أنفسهم، بين رصاصة وصوتها، نازحين إلى مناطق لايعرفون عنها الكثير، ويرتمون بين أمواج تنقَّلت بين الاستغلال والاحتضان.
انتشرت، عبر صفحات التواصل الاجتماعي، دعوات كثيرة إلى مَن غادروا منازلهم ومناطقهم، للعودة إليها.. دعوات مطمئنة في أغلبها، لكن ردَّ الفعل اتجاهها كان بارداً جداً من قبل بعض النازحين، وقوبلت بالاستجابة السريعة من قبل بعضهم الآخر..
دخلت بلدنا إلى مناطق الأزمات، وإلى المناطق التي انتشر فيها النازحون.
 
¶ في حمص عودة خجولة.. وقلة في الخدمات  
في منطقة الحميدية وما حولها (بستان الديوان، الورشة…) كان حجم الدمار يرقى لندعوه منطقة منكوبة، فالصراع هناك على أشدّه، والمعارك تهدأ حيناً وتشتدُّ حيناً آخر. ولكن، على الرغم من هذا، كان هناك ما يزيد على 350 عائلة أبت أن تترك مسكنها وأحلامها، ورفضت الاستسلام لفكرة أنَّ الدمار أبديّ، وأنَّ ما يحدث هناك سيستمرُّ إلى ما لانهاية، والجميع كانوا متفائلين. يقول أحد أفراد أسرة تقطن هناك: «نعلم تمام العلم أنَّ الوجود هنا خطر على أرواحنا، ولكننا مفعمون بالتفاؤل بأنَّ الأمور ستستقرّ، وأنَّ كلَّ شيء سيكون على ما يرام.. نشعر بأنَّ المستقبل سيكون أفضل، وأنَّ الأمور ستُحلُّ بطريقة سليمة وبفاعلية تضمن سلامتنا جميعاً».. ويكمل، وهو شاب في العشرينات: «أنا طالب في الجامعة. طبعاً خسرت ما خسرت من الوقت والفرص في الدراسة، وكان يمكنني أن أترك أهلي هنا وأرحل إلى دمشق أو حلب لأكمل دراستي هناك، ولكنني آثرت البقاء هنا، لأعيلهم في حال وقع أيّ مكروه». ويشرح الشاب: «لقد كان البناء الذي نسكنه يعجُّ بالسكان، والجميع تقريباً فرُّوا بأرواحهم خوفاً إما على أطفالهم وإما على كلِّ شيء.. أما الآن، فنحيا بسلام مع وقف التنفيذ.. الطعام متوافر، والخدمات جميعها متوافرة، ولانخشى شيئاً هنا سوى الوقت الذي يقع خلاله سوء التفاهم بين الأطراف، ويصبح الرصاص سيّد الموقف، لكننا اعتدنا على هذا».
 الخدمات التي ذكرها الشاب كانت متوافرة بالفعل؛ من تيار كهربائي وماء، ودواء، وكذلك الخضار والمواد الغذائية، ولكن بأوقات محدَّدة، كما تقول إحدى السيدات، التي تعمل على خدمة المواطنين الذين لم ينزحوا، وتوزِّع عليهم حصص المعونات المتوافرة، التي تقدِّمها غالباً منظمة الهلال الأحمر السوري. وتضيف السيدة: «لاأستطيع المغادرة وترك العائلات من دون مساعدة، ولاأستطيع هجرة منزلي وكلّ ذكرياتي، يكفي ما لقيته من حزن حين بدأ السكان بالنزوح خوفاً، وطلباً للأمان».. وتحدَّث السكان كيف أنَّ هذه السيدة تقوم بالتنسيق مع كلِّ مَن يستطيع تقديم المعونات للسكان، ومن ثم توزيع هذه المساعدات على الأهالي.. وتتضمَّن هذه المساعدات: الأدوية، والطعام، وبعض الحاجيات الخاصة التي لايمكن أن توجد بكثرة في تلك المناطق في هذه الظروف.
وعن عودة النازحين قالت: «كلّ يوم هناك عودة للنازحين، منهم مَن يختار الرجوع والبقاء هنا، ومنهم مَن يأتي ليأخذ أثاث المنزل ويستقرَّ في محافظة أخرى»..
إحدى العائلات، التي كانت تنقل أثاث منزلها، أبدت استياءها من الوجود في المنطقة. يقول ربّ العائلة: «رحلت أنا وعائلتي بسبب الدمار والمعارك، ولن أغامر بحياة أحد منهم، استأجرت منزلاً فارغاً، وأنا الآن أنقل أثاث المنزل إليه، وطبعاً هذا لايفرحني، ولكن ليس هناك حلٌّ آخر أمامي، وكنت أتمنَّى لو أنَّ عندي الجرأة التي لدى الأسر الباقية لأبقى»..
يخالفه الرأي ربّ أسرة آخر بقوله: «عدت مع عائلتي بعد أن استقرَّت الأوضاع قليلاً في هذه المنطقة، كنت أتخيَّل أنَّ الموقف، حين عودتي، سيكون خطراً، وأن نكون في خطر دائم، ولكن الآن تغيَّر الوضع على ما أعتقد، والهدوء النسبي عاد.. أما الخدمات، فهي متوافرة هنا، حتى خدمات الإنترنت أصبحت متوافرة في بعض المناطق، والتغطية الخاصة بالخليوي متوافرة.. الإزعاج الوحيد هو صوت الرصاص في الليل، وهذا يمكن التعوُّد عليه». وختم بطريقة التسليم بالأمر: «سعرنا بسعر غيرنا»..
 
Image ¶ عودوا إلينا فنحن ننتظركم
في فسحة هادئة خضراء، تجمَّع كلُّ مَن يرغب في الارتياح من المناظر المثيرة للحزن في شوارع (الحميدية وبستان الديوان).. هذه الفسحة في مدرسة الآباء اليسوعيين، هي أقرب إلى أن تكون قطعة من التكية السليمانية في دمشق؛ بظلّها وهدوئها وحميميتها.. يجتمع فيها السكان والشباب لتدارس أحوال أهل الحي، وتنظيم توزيع المساعدات على السكان، وتأمين طريق العودة للنازحين، ومساعدة الخارجين من المنطقة في وضع أثاثهم في الشاحنات.. في هذا الجو، التقينا الأب ميشيل نعمان أشمندريت، في مطرانية السريان الكاثوليك، المعروفة باسم «الروح القدس»، وهو من أصحاب الأيادي البيضاء، الذين قاموا بتقديم المساعدات الكثيرة التي شهد له بها أهل المناطق المحيطة بمكان عمله. شرح الأب: «النقص في الخدمات والأمان ليس بسبب الأحداث فقط، بل بسبب السكان الذين تركوا أعمالهم وأشغالهم ونزحوا، فالدكاكين مغلقة تماماً، والأسواق فرغت لأنهم رحلوا». وبيَّن الأب ميشيل المصاعب التي حدثت وجعلت 99 % من السكان ينزحون، وكيف سبَّب هذا الأمر ضرراً في البنية الاجتماعية والصحية في البلاد. يقول: «نحن نعيش هنا في خطر، ولكن هذا الخطر كان ليكون أقل لو أنهم لم يرحلوا. نحن بصفتنا مسؤولين ووجهاء، لدينا القدرة على التعامل مع جميع الأطراف ليكونوا حريصين على أرواح الناس هنا»..
عن سبب هذا الفراغ المفاجئ في المنطقة، قال: «كثير من السكان رحلوا، وصار الجميع يخشى على نفسه، خاصة أنَّ أسرة- أو أسرتين- في بناء من خمس طوابق لن تستطيع البقاء، وأبنية كاملة قد فرغت، فمن كان يفضِّل البقاء وجد نفسه وحيداً هنا فاضطرَّ إلى الرحيل، ما أدَّى إلى اتِّساع دائرة المعارك، لخلوّ الشوارع والأبنية».. ويضيف: «هناك مَن يعود، ولكنه يخشى من عدم توافر الاستقرار.. نعمل على زيادة أعداد القادمين والعائدين بكلِّ ما نستطيع.. أنا شخصياً أعمل مع جميع الأطراف هنا لمنع وصول الرصاص إلى المناطق المأهولة حالياً، ونحن ننجح، لأنَّ الأطراف متعاونة بشكل يدعو إلى التفاؤل.. مَن سيعود لن يجد المنطقة كما اعتاد عليها، ولكنه سيسهم في بنائها مرة أخرى.. أنا أحبُّ أهل المنطقة جميعهم، وأريدهم أن يستذكروا المنطقة في أوقات السلم والهناء، وأن يعودوا إليها، لتدبَّ الحياة فيها مرة أخرى.. نحن هنا بحاجة إلى الجميع، فمَن يستطيع العودة يجب أن يعود».. ويؤكِّد الأب أنه لايفرض العودة على أحد، ولكنه مستعدٌّ لتقديم المساعدة في أيِّ وقت، فكثيرون يتَّصلون به ليؤمِّن لهم الدخول إلى المنطقة، وأخذ ما يريدون من أثاث، ثم الخروج منها.. وشرح الأب ميشيل أنه يقوم بكتابة ورقة تبيِّن أنَّ حاملها هو مِن سكان المنطقة، وأنه قد أخذ الأثاث من المنطقة بعلم أهلها، ومعرفتهم، وهذه الورقة ممهورة بالختم والتوقيع، على أمل أن يعود مع أهله ويستقرُّوا، متفائلاً بمستقبل المنطقة وبالهدوء والسلام الذي سيحلُّ بسرعة..
بدوره، يؤكِّد الأب فرانس اليسوعي، في دير الآباء اليسوعيين في حمص، أنَّ الخدمات متوافرة، وإن كان بكميات قليلة نسبياً، منوِّهاً إلى أنَّ رحيل السكان كان سبباً رئيساً في تأزُّم الوضع. وشرح أنَّ النقص في المواد كان بسبب نقص العاملين على تأمينها.
 أما عن عودة النازحين، فالأب فرانس كان له رأيٌ آخر، عبَّر عنه بقوله: «المعارك هدأت، ولكن لاأحد يدري متى يمكن أن تتَّقد شرارة الصراع من جديد، لأني أعتقد أنَّ هناك صراعاً حاسماً على الطريق، وهنا تكمن المسؤولية التي لايمكن لأيٍّ منا تحمُّلها، فأنا لاأستطيع أن أدعو الناس إلى العودة، وأنا نفسي لست قادراً على رسم مستقبل المنطقة، ولن أعد الناس بالأمان المطلق فيما إذا عادوا»..
ما لاحظته «بلدنا» خلال جولتها في تلك المنطقة، أنَّ الوضع بدأ بالانتعاش، فبعض دكاكين البقّالة وأفران الفطائر والمقاهي قد تمَّ افتتاحها مرة أخرى، أما العقبات الوحيدة التي واجهتها «بلدنا»، فكانت كثرة الحواجز الأمنية من جميع الأطراف، والبطاقة الشخصية تعدُّ مِن أهم المقتنيات الإنسانية في تلك المنطقة.
النازحون من المناطق الحمصية إلى دمشق ووادي النضارة، بدوا غير متفائلين بالعودة إلى منازلهم في حمص، ونفوا نيتهم العودة في المستقبل القريب والبعيد، إلا عندما يتمُّ حلُّ الأزمة بشكل كامل بين جميع الأطراف، فالقصف والرصاص، في رأيهم، لايملكان عيوناً، ولايفرِّقان بين طفل وعجوز.. أما عن الفكرة التي طرحها الأب ميشيل نعمان، حول أنَّ الوجود البشري المدني في المدينة سيخفِّف من شدة القصف وإطلاق النار وانتشار الأطراف على الأرض، فقد أيَّد معظم من قابلناهم في دمشق ووادي النضارة هذه الفكرة، شريطة أن تنفَّذ بشكل جماعي منظَّم، وأن تكون هناك تطمينات من الأطراف جميعها بأنَّ المناطق المأهولة بالسكان ستكون آمنة بشكل كامل، لا أن يُستخدم المدنيون كدروع بشرية لأيِّ طرف كان، فهذا الأمر كان أكبر مخاوفهم.
يقول أحد النازحين: «الأطراف المتصارعة على الأرض من مصلحتها الإستراتيجية أن يتمَّ إفراغ المدينة من السكان المدنيين الأبرياء، حتى لايستخدمهم أحد الأطراف كحاميات بشرية لهم ولتحرُّكاتهم، وهذا حقّ كلِّ طرف؛ أن يكشف الطرف الآخر ويعرِّيه من كلِّ ما يمكن أن يحميه ويدعمه.. ولكن، ليس من حقّنا أن نعرِّض أنفسنا إلى الخطر بأيِّ شكل من الأشكال، ولكن في حال كانت العودة جماعية، فالأمر سيختلف تماماً».. ويتابع: «هناك مَن عاد واتَّصل بنا وأخبرنا بأنَّ كلَّ شيء على ما يرام، وهناك مَن ذهب إلى هناك وعاد في حالة من الهستريا والخوف والحزن»..
 
¶ في إدلب.. العودة حميدة إلى بعض المناطق
عائلات كثيرة من قرى إدلب، كانت قد تركت منازلها وأراضيها عند اشتداد الأزمة، والأكثرية العظمى منها قد عادت إلى مناطقها بعد انتهاء المشكلات.. يقول مختار إحدى القرى: «مرَّ وقت على هذه الناحية لم يكن فيها من السكان أكثر من أصابع اليد الواحدة، بعد أن كان سكانها يعدّون بالآلاف.. فباتت تسكنها الأشباح والخراب والقمامة، لذا سعيت، أنا وعدد من الأشخاص الذين ظلّوا هنا ولم يغادروا، إلى التواصل مع النازحين وتقديم التسهيلات، تمهيداً لرجوعهم، وبالفعل بدأت الحياة تدبُّ من جديد، وكان تنظيف المدينة وإصلاح ما تخرَّب فيها من أولويات العائدين، والآن كما ترون عدنا كما كنا، وبدأت ملامح الحضارة تعود إلينا بعد أن رحلت لأشهر، وبدأ العائدون إصلاح منازلهم والتخلُّص من بقايا الصراع، وصيانة المرافق العامة، ما شجَّع الموظفين في البلديات على ممارسة عملهم بشكل كامل، فالحياة البشرية هي ما أعاد المناحية إلى ما كانت عليه، لأنه لو لم يكن هناك سكان لما تجرَّأ عمال النظافة وعمال الصيانة الحكوميون على الدخول إلى المنطقة»..
 سكان المنطقة كانوا مرتاحين جداً بالعودة إلى منازلهم. يقول ربّ إحدى الأسر التي نزحت عن الناحية لأكثر من ثلاثة أشهر: «تكبَّدت الخسائر المالية الكبيرة مقابل إيجارات خيالية للمنازل المفروشة.. بالفعل لاشيء يضاهي الفرحة بالعودة إلى المنزل، وإن كان قد أصابه بعض التخريب والهدم، فإصلاح بعض ما خُرِّب خير من البدء من جديد».. جميع مَن عادوا إلى النواحي والقرى في إدلب كانوا يشتكون من قلة الخدمات التي تقدِّمها البلديات، ومن خوف العمال من العمل في الطرقات، ومِن الإهمال الذي يتعرَّضون إليه من قبل الجهات المعنية بتحسين الوضع المعيشي في نواحيهم، ولكن هذا لم يثنِ الأسر عن العودة، خاصةً أنَّ الخطر الذي تسبَّب في خروجهم قد زال، وهم لايشتكون إلا من الإهمال فقط، كما يقولون، ويدعون الجهات المختصة إلى التساهل في بعض إجراءات الصيانة، وتسهيل مرور سيارات المواد الغذائية والأساسية كالوقود والطحين.. ما لاحظته صحيفة «بلدنا» في زيارتها إلى تلك القرى، أنَّ الحياة طبيعية بشكل مثالي تقريباً، وأنَّ المشكلات أصبحت مشابهة لمشكلات الناس في باقي المناطق الآمنة في سورية. والتقينا عدداً من العائدين الذين أرادوا أن يعود باقي النازحين إلى منازلهم من دون خوف، فالجميع هنا متعاونون، وما ينقص الفرد تأمينه مسؤولية الجميع، والتكاتف سيّد الموقف في تلك القرى.. يقول أحدهم: «عدت منذ شهر تقريباً، ووجدت أنَّ منزلي قد تعرَّض إلى النهب والتكسير والانتهاك بكلِّ ما تحمل الكلمة من معنى، ولكن ما واساني أنَّ الجميع لم يتجاهلوا المصيبة التي أصابتني؛ فبعضهم أعطوني الفرش، وآخرون تبرَّعوا بأواني المطبخ، وآخرون بالمال لأصلح الجدران والسقف.. وهكذا وقفت على قدمي أنا وأسرتي بعد أن كنّا مشرَّدين من منزل إلى منزل، ومن مدينة إلى مدينة.. أنصح الجميع بالرجوع، فهناك ما يقارب عشر أسر مازالت تخشى من العودة، وهذا أمر طبيعي، فما حدث لايمكن أن يتمَّ نسيانه أو تجاهله، والخوف الذي تملَّكنا مازال يحمل آثاره في ذاكرتنا»..
 الجميع في إدلب، ممن قابلناهم، كانوا قد أكَّدوا وأصرُّوا على أنَّ أكثر عمل أسهم في زيادة التخريب وزيادة السرقات واستباحة القرى، كان نزوح الأهالي، ما جعل الأطراف حرَّة في التصرُّف بالقرى كما تريد، من دون حساب لبشر أو حجر.
النازحون من إدلب إلى دمشق أبدوا عدم رغبتهم في العودة إلى أن يحلَّ الأمان بشكل كامل، وكان دأبهم دأب أقرانهم من حمص؛ فهم لايريدون المخاطرة ولا حتى بقطرة دم، ولسان حالهم يقول: «المال يمكن أن يضيع ويُعوَّض، أما الروح فلايمكن تعويضها أو التفريط فيها أبداً»..
حجم الدمار في العمران في مناطق إدلب كان أقل مما شاهدناه في حمص، ربما لأنَّ تلك القرى كانت تعتمد على الأبنية الأرضية بشكل كثيف، ولايوجد كثير من الأبنية الطابقية فيها، وبالتالي الخسائر يمكن القول إنها أقل بشكل عام من الخسائر في حمص، والخطورة أصبحت شبه معدومة في كثير من القرى، وما نقصده هنا «خطورة المواجهات بين الأطراف».. أما عن باقي مشاهد الأزمة، فهي واضحة بشكل جلي على الجدران، وعلى الشوارع، وفي المظاهرات الليلية التي لاتستمرُّ أكثر من دقائق، ولاتشكِّل خطراً على السكان بشكل عام، كما قال قاطنو تلك المناطق..
 
Image ¶ حماة: نزحنا ثم عدنا ثم نزحنا ثم عدنا
في حماة، كانت بعض القرى تعاني من مشكلة النزوح، والمناطق المتبقّية استطاعت أن تصمد تحت شدة الصراع. يقول أهالي إحدى القرى: «خرجنا عندما احتدم الصراع وصار الرصاص هو الآمر والناهي ليل نهار.. ندرك أنَّ خروجنا من المنطقة يعني أنه يمكن أن نعود ولانجد شيئاً مما تركناه خلفنا».. وهذا ما حدث فعلاً لكثيرين، حيث يؤكِّد أحد الوجهاء: «سُرقت المنازل ونُهبت الأراضي وصارت البيوت محطات استراحة للقاصي والداني.. استُبيحت القرية بشكل كامل، ولكن الأمور الآن على أحسن ما يرام، والناس يعودون بشكل مستمرّ إلينا، والحالة استقرَّت، فالخدمات الصحية والمعيشية بدأت بالعودة والظهور في المنطقة، وعمال النظافة والصيانة الحكوميون يعملون ليل نهار لتأمين البيئة الصحية السليمة والمناسبة لعودة جميع النازحين، وهم يعودون الآن»..
قرى ريف حماة تحتاج إلى الكثير من الخدمات الناقصة، من كهرباء وماء، كما أصبحت بعض بناها التحتية معدومة تماماً، والناس هناك يقومون بإصلاح ما يستطيعون إصلاحه على نفقتهم الشخصية.. أما النازحون إلى دمشق، فالأغلبية الساحقة منهم، ممن قابلناهم، أكَّدوا أنهم يحضِّرون أنفسهم للعودة بعد انتهاء العام الدراسي، وأنَّ ما يُبقيهم في دمشق هو فقط التزامهم بأبنائهم ودراستهم، ولولا ذلك لكانت عودتهم اليوم قبل الغد»..
فوجئنا خلال لقاءاتنا مع النازحين، أنَّ هناك مَن مرَّ في معاناة غريبة من نوعها. تقول إحدى النازحات: «أنا من الناس الذين نزحوا مع بداية الأحداث، وعندما شعرت بأنها هدأت عدت إلى منزلي، ثم نزحت إلى دمشق عندما ساءت الأمور مرة أخرى، وأنا أنتظر بفارغ الصبر العودة إلى منزلي وأهلي وصديقاتي، ولست الوحيدة التي عانيت من هذه الرحلات المكوكية من نزوح وعودة، فأكثر من عشر عائلات أعرفها تمام المعرفة قد كابدت هذه العذابات»..
 
 
 
ما لاحظته «بلدنا» في تجوالها في كثير من المناطق المتأزِّمة، كميات التفاؤل الخارجة عن المألوف، فرغم الدمار والموت الذي تنتشر رائحته في كثير من الطرقات، مترافقة مع روائح القمامة التي لم يتمّ جرفها منذ أشهر كثيرة، ما اضطرَّ الأهالي إلى التخلُّص منها بالحرق أو بنقلها بالسيارات إلى أماكن أبعد.. على الرغم من كلِّ هذا، وجد السكان مساحات للفرح، واستطاعوا بناء الحياة من جديد، وتأمين العودة السالمة السليمة لكلِّ مَن يرغب فيها من المواطنين النازحين..

حصان طروادة… ثورةٌ خفية في سورية

انتبذت مكاناً قصياً مع فنجاني وعدة الكتابة، أمس؛ لأعمل بهدوء على أحد التحقيقات بشأن بعض الشكاوى المتعلقة بالمواطنين ومشكلاتهم. وفي خضم إبحاري بين التواقيع والمراجعات والتحويلات والطوابع، صُدمت بورقة تدمّر كلَّ ما تمَّ ذكره رسمياً على المعاملات، كُتب عليها: «ترقن لحين النظر»، وورقة أخرى تقول: «توقفت الشكوى عند فلان واختفت». هنا قفزت فكرة خطرة جداً (بتقييم الرقابة)، فاستبعدتها، كي لا أصبح أنا الخطر في نظرهم، ولكنها (أي الفكرة) ألحَّت عليَّ، وإلحاحُ الفكرة لا يُقاوم..
كانت الفكرة حول تعريف الثورة، فطفقت أبحث عن معنى كلمة «ثورة»، لأكتشف أنها تعني باختصار «الانقلاب على القوانين التي وضعها الشارع ضمن أعراف سائدة وفي زمن معين». وهنا طبعاً شعرت بأنَّ لمبة الأفكار المضيئة فوق رأسي تحوَّلت إلى ضوء الخطر على سيارة الإسعاف، خاصةً عند استدراك فكرة الانقلاب على القوانين، التي تختلف عن مخالفة القوانين. فالمخالفة تقع في حقّ كلّ منفّذ للقانون، أما إذا وقعت على يدي المسؤول عن تنفيذ القانون، فهذا يعني انقلاباً على القانون، ما بدوره يعني أنَّ كل شخص مسؤول عن تنفيذ قانون معيّن حين يسمح باختراق هذا القانون يكون قد أثبت تماماً أنه غير مقتنع بجدوى هذا القانون أو بصدقيته، وبالتالي يركنه على الرفوف، إن لم يفرغه من محتواه.
وهذا ما لاحظت ولاحظتم ويلاحظ الجميع أنه يحدث؛ بدءاً من مرسوم منع التدخين، حتى قوانين الاستيراد والتصدير، ومروراً بقوانين حماية المستهلك والأبنية المخالفة وإشغال الأرصفة وتجاوز إشارات المرور الحمراء بدعوى النوافذ السوداء.. حتى وصل الأمر، في إحدى المحافظات، إلى ترك الخاطف يهرب بمن خطف ثم ليقتله. وكان ترك الخاطف بدعوى أنَّ السيارات ينقصها البنزين وأنَّ المخصصات قد نفدت.
المصيبة أنَّ أكثر المشرفين على تنفيذ القانون يقبضون المال الأسود لينقلبوا عليه، وهم بذلك لا يختلفون عن الذين يقبضون المال من الخارج لمخالفة القانون في الداخل بطريقة أو بأخرى. فالسماح بالبناء المخالف، وبالتدخين في الأماكن العامة، وبتمرير الصفقات الفاسدة.. هو انقلاب تام على المراسيم والقوانين، وهو يدلّ تماماً على أنَّ هناك ثورة شبيهة بحصان طروادة، قد تسلَّلت إلى أروقة الأبنية الحكومية قبل طرقات القرى؛ «ثورجيوها» رجال ومديرون ينقلبون على القوانين، ويثورون بصمت على المراسيم لتفرغ من محتواها. وبالتالي، وحسب التعريف واعتماداً على كل ما سبق: الثورجي حالياً يقبع خلف مكتب، ويتقاضى راتباً من الدولة التي يثور عليها.. الثورجي هو كلّ مسؤول عن الانتهاك والانقلاب على المراسيم الجمهورية والقوانين التي قام «بدسّها» في درج مكتبه، وهو كلّ مسؤول عن ارتفاع الأسعار ليبتسم وهو «يدسّ» المال في جيبه جراء انقلابه على القوانين، وهو أيضاً سيكون أوّل المنبطحين والمتزلّفين عند كلّ باب عندما يحين دور إخماد ثورته.

سورية تنزف كفاءاتها.. الولاءات المتشدّدة وراء الاغتيالات

 

اغتيالات عشوائية وموارد سورية البشرية تضيع هباء
 ضحاياها: أصغر مخترع في العالم وعشرون رياضياً محترفاً وأطباء رسموا حلم الصحة للمستقبل  

“إصبع، فزناد، فطلقة، فدماغ، فموت” متوالية يصفها بعضهم بـ”الإجرامية”، ويصفها آخرون بـ”الانتقامية والضرورية”. خطوات نحو القمة في رأي بعضهم، ونحو السلام في رأي آخرين..  قطعة صغيرة من المعدن الأصم، الصلد، الخادش جسد الإنسانية،
 المفتت جدار الحضارة، المخترق أنسجة تبني الوطن بتعقيد وذكاء وترابط شبيه جداً ببنائها وتكوينها.. تخرج مسرعة، تسابق صوتها لتكتم صوتاً وحقيقة وحلماً. لاشيء يقتل الوطن كما يقتله موت أنبيائه. والنبي هو كلُّ من أتى بعلم، وبنى بلغة، وطرح معضلات المجتمع أرضاً ثم فكَّكها ورتّبها وبناها ناعورة أو منظومة ريّ أو حتى كرة مباغتة في مرمى الخصم.. فجميعها تأتي بمال ونضارة واحترام للوطن، وكلها ترفع اسمه عالياً.
ولكن، لسبب أو لآخر، أصبح هؤلاء الفاعلون هدفاً للقطع المعدنية السريعة الحارقة، مهما كان سبب انطلاقها، والداعي لنفاذها في عقول أبناء سورية وأجساد رياضييها البارزين، وبالتالي في عمق جسد وطننا، لتنهكه كما لم تنهكه معركة من قبل، لتمضي كالمنجل في مستقبله، وكالملوثات النووية التي لا يشعر المرء بها في حينها. شهدت وتشهد أرضنا تصفية يومية لعقولٍ وأجسادٍ دفع الوطن ثمنها غالياً، وأرخى بكتفه عليها، لترفعه إلى مصاف الدول، بل إلى أولها، ليكون في مقدّمتها. وهذا التقدير، من جهتنا، لا يحمل أيّ مبالغة أو شطط أو انحراف أو تعصب.
اغتيالُ واستهداف العقول والنخب في سورية هو الهاجس الذي يلاحق كلَّ مفكر مهتم بمستقبل سورية. فإذا فرغت سورية منهم، كانت كأرض أشجار الزيتون، بائرةً لا تُعطي ثماراً إلا بعد جيلين أو ثلاثة.
لماذا قُتلوا؟
أسئلة قاهرة ليس لها جواب مع ما حدث في سورية، التي تمَّ توجيه السلاح إلى قطاعاتها الأساسية؛ الطبية، والرياضية، والعلمية..
 
 
من الأندية إلى المدافن
“لقد كان صلباً مقداماً قادراً على فعل أيّ شيء، له قلب نسر وعقل أب”.. إنه غياث طيفور (بطل الملاكمة السوري)، كما وصفه أحد أصدقائه: “لقد كان صاحب مبدأ ودفاع قوي عن معتقداته، أحبّه خصمه على الحلبة فاحترمه، وأحبَّته الدول فدعته إلى مناسباتها الرياضية. كل ما كان في جدول أعماله هو التدريب والاهتمام بلياقته. ذنبه الوحيد -إن صحَّ أن نسميه ذنباً- هو أنه التزم بطرف دون آخر، هو أنه مارس حقه في اختيار الطرف الذي ينتمي إليه”. يكمل صديقه الأحداث، التي جرت مع طيفور قبل خسارة الوطن له، قائلاً: “أبدى بعضهم استياءهم من مواقفه، وطلبوا منه التزام الحياد بطريقة صدامية جعلته يتمسَّك ويؤمن أكثر بصحة موقفه، لكنَّ هذا لم يشفع له عند مهدّديه”. ويشرح كيف كان يتكلّم عن التهديدات التي تصله، وأنَّ طيفور كان مؤمناً بقضيته بشكل كامل، وأنَّ الدفاع عن القضية أكبر بكثير من التعلق بالحياة.. “وصحّت هذه التهديدات”؛ بأن قام أحد الأطراف باستهدافه، أثناء مروره بسيارته الخاصة في ساحة الجامعة في حلب. هذا الاستهداف أدَّى إلى وفاته على الفور، نتيجة إصابته بخمس طلقات في الرأس. غياث طيفور الضحية، بحسب أحد المتدربين على يديه، ولد في حلب سنة 1969، وسجّل أكثر من 15 إنجازاً؛ فهو حائز بطولة الملاكمة في سورية، وهو بطل حلب وسورية منذ 1984 لغاية 1998، كما يحمل ذهبية دورة المتوسط (1991)، وذهبية الدورة العربية العاشرة (1992)، وذهبية دورة مصر الدولية (1995)، وذهبية دورة الملك حسين في الأردن، وذهبية دورة استانبول الدولية، وذهبية دورة إيران الدولية، وفضية العرب للرجال (1999)، وفضية دورة سلوفاكيا (1993)، وفضية دورة داغستان (1997)، وفضية دورة البوسفور الدولية، وبرونزية دورة المتوسط في فرنسا، وبرونزية الألعاب الآسيوية، وبرونزية دورة إيران الدولية، وبرونزية دورة استانبول الدولية (1990)، وبرونزية البطولة العربية (1995)، وبرونزية دورة داغستان الدولية (1996).. تأهل إلى أولمبياد برشلونة عام 1992، لكنه لم يشارك لعدم انتهاء جوازات السفر. شارك في أولمبياد العالم العسكري عام 1996، كما شارك في بطولة العالم في ألمانيا (1995)، ووصل إلى دور الثمانية.
 كان طيفور موظفاً في مديرية المنشآت الرياضية ومدرباً في نادي الشرطة في حلب. ويعد عميد الشهداء الرياضيين الذين استشهدوا خلال الأزمة؛ حيث تبعه أكثر من 12 رياضياً سورياً آخرين، كان لهم بصمتهم في تاريخ ومستقبل سورية، كلٌّ في مجاله، منهم: اللاعب أحمد سويدان (لاعب كرة القدم في منتخب شباب سورية سابقاً ونادي الكرامة)، وصبحي نحيلي (بطل ألعاب القوى)، ويمان الجوابرة (لاعب الكيك بوكسينغ)، وجمال بايرلي (لاعب الكاراتيه)، وفياض أبازيد (بطل سورية في رمي الكرة الحديدية).. يقول صاحب إحدى الصفحات الاجتماعية على الإنترنت، التي تُعنى بإحصاء الخسائر في الكوادر البشرية الرياضية: “هذه الأسماء كان ذنبها الوحيد أنها التزمت مع طرف دون آخر، وأنها دافعت عن التزامها، لكنَّ الآخرين لم يستطيعوا التفريق بين الانتماء السياسي وذاك الإنساني أو الوطني!!!!. جميعهم كانوا من أصحاب الروح الرياضية الكاملة، لم يشتكِ أحد من جوارهم أو من صداقاتهم.. التزامهم الإنساني كان عالياً جداً، وحبّهم للوطن كان أعلى بكثير من انتمائهم إلى إنجازاتهم الشخصية. مرّوا مرور الكرام في تاريخ سورية. كانت الابتسامة نادراً ما تغادر شفاههم. كانوا يدربون ويلعبون ويسعون دائماً للعمل على إنجاز الميداليات والانتصارات، التي تزيد من رفعة العلم السوري. كانوا ينتمون انتماءً كاملاً إلى وطنهم. طالتهم الرصاصات التي لا تفرق بين مخطئ ومصيب، كانوا في الجانب الخاطئ، وفي الزمان والمكان الخاطئين”.
يقول صاحب الصفحة، وهو مسؤول سابق في الاتحاد الرياضي: “ما يحدث على الأرض السورية يمكن وصفه بالمؤامرة، لكن ما يحدث للرياضيين وغيرهم من الخبراء والكفاءات لا يمكن أن يكون مؤامرة؛ فالكثيرون من الطرفين يرتكبون الخطأ الفادح بحقّ المستقبل في سورية، سواء عن قصد أم عن غير قصد. فمقتل رياضي محترف، سواء كان مقصوداً أم غير مقصود، هو جريمة في حقّ الوطن، قبل أن يكون جريمة جنائية. وأوصي جميع الرياضيين، مهما كان انتماؤهم، بأن ينأوا بأنفسهم عن الانخراط فيما يحدث على الأرض، وأن يحذوا حذو الفنانين والممثلين؛ فهم ثروة للوطن، لا يملكون حقَّ تقرير مصيرهم، لأنَّ أجسادهم ليست ملكاً لهم، بل هي ملك أبناء الوطن. فأيّ رياضي عندما يحقّق هدفاً في مرمى الخصم، يعرف تماماً مدى الفرح الذي يملأ قلبه، لأنه أفرح قلوب السوريين جميعهم، على اختلاف اتجاهاتهم السياسية ومشاربهم”.. وهم -كما يقول صاحب الصفحة- “غير مطالبين حقاً بأن ينتموا إلى طرف من الأطراف. وبما أنهم اختاروا أن يكونوا ملكية عامة لخدمة سورية، وجب عليهم التزام الحياد، ليحافظوا على ما أنجزوه، أو ليرسموا مستقبلاً جديداً لما يحلمون بإنجازه”. وذكر أسماءَ أكثر من 21 لاعباً رياضياً ممن قضوا على مستقبلهم الرياضي بشكل لا منطقي؛ فقط لينتموا إلى طرف دون آخر.
التمني الذي طرحه المسؤول السابق في الاتحاد الرياضي، واجهه كثير من الرياضيين، الذين قابلتهم “بلدنا”، بالرفض، معتبرين أنهم جزء من النسيج الاجتماعي السوري، وأنَّ الهمَّ السوري همهم، وأنهم أبناء الوطن قبل أن يكونوا رياضيين، وأبناء الشعب السوري قبل أن يحققوا أي ميداليات. أما الرياضيون الذين آمنوا بفكرة النأي بالنفس، فقد غادروا البلاد؛ لأنهم، كما يقول أهالي بعضهم، لم يستطيعوا الوقوف على الحياد، بسبب الالتزامات التي كانت تطلب منهم؛ إذ كان يُطلب منهم صراحة إيضاح الموقف والعمل على تحقيق موقفهم؛ مع الطرف الأول أو الثاني على السواء.. وكان ضحية الرصاصات العمياء أيضاً منصور العلي (بطل سورية في كمال الأجسام)، الذي تمَّ اغتياله أيضاً وحرمان المجتمع الرياضي السوري من خبراته العالية وفرص العالمية التي كان يسعى إليها.
كان هناك كثير من صفحات التواصل، التي تخلد الرياضيين وتذكر مناقبهم وقدراتهم العالية على العمل والعطاء، ولكنها حملت أيضاً إنذارات ووعوداً بالانتقام والعشوائية التي تملأ قلوب القارئين بالحقد ضدّ الطرف الآخر، وتطلب منهم الانتقام. وعند الحديث مع أصحاب هذه الصفحات، أبدوا الكثير من الإقصائية للطرف الآخر، والتحريض لمن يقرؤونهم بعدم التهاون. بمراجعة الكثير من الوثائق الإلكترونية التي حصلت عليها “بلدنا”، تبيَّن أنَّ الرياضيين أصبحوا وسيلة ضغط لخدمة مصالح الأطراف على الأرض؛ فنادي أمية توجّه بالاتهام إلى أحد الأطراف بأنه من أجبره على إعلان انسحاب فريقه الكروي من الدوري الممتاز السوري، الأمر الذي دفع اتحاد اللعبة إلى إقرار هبوطه إلى الدرجة الثانية. وبحسب زعم ناديي الكرامة والوثبة، تكرَّر معهما الأمر ذاته، لذلك طلبا تأجيل المباريات حتى إشعار آخر، بسبب الضغوط التي يتعرّض إليها اللاعبون في أن يلتزموا طرفاً دون آخر؛ يقول أحد اللاعبين: “كلا الطرفين يريدان منا أن نلتزم جانبه؛ فلا الطرف الأول يتساهل في حال ادعينا أننا ضدّه، ولا الطرف الثاني سيسامح في حال أعلنا موقفنا وكنا ضدّه. وهنا، خلال هذه الأزمة، لا يمكن للمغامرة أن تدخل الملعب؛ ففي كلا الطرفين متشددون وفي كلا الطرفين من لا يلتزم بأخلاقيات طرفه ويقوم بالعمل الارتجالي الذي يكون في النهاية مستنكراً من كلا الطرفين (ونحنا منروح فراطة)”- ختم اللاعب. فياض أبازيد (بطل سورية في رياضة ألعاب القوى- دفع الكرة الحديدية) توفي أيضاً نتيجة مواقفه، وخسرت سورية بوفاته بطلاً رياضياً ومدرساً لمادة التربية الرياضية في محافظة حلب، بعد أن تخرج في كلية التربية الرياضية في اللاذقية، وأكمل دراساته العليا في درعا (دبلوم تأهيل تربوي). فياض (39 عاماً) وحيدٌ لعائلته، وأبٌ لابنتين عمر الأولى ثلاث سنوات والثانية ولدت بعد وفاته بساعات قليلة.
المخترعون خسارة لا تعوَّض
“من العقول النادرة، حقَّق ما لم يفكر في تحقيقه أيّ بشري على الإطلاق”؛ يقول (ع .ح) أحد أصدقاء الشاب عيسى عبود، أحد أشهر المخترعين في العالم وأصغرهم؛ فهو حاصل على جائزة أصغر مخترع في العالم. هذا المخترع هزَّ العالم أجمع بقدرته على تخزين المعلومات الإلكترونية على دماغ الديك وعلى الخلايا الحية. يعطي (ع. ح) مثالاً على اختراع عبود، بأنه إذا تمَّ تطويره يتمكَّن الإنسان من وصل أي كرت ذاكرة إلى دماغه، وتحميل المعلومات التي يريد أن يحفظها؛ تماماً كما يقوم بعملية القص واللصق على الحاسوب. يقص (ع. ح) حكاية عبود، الذي كان “مفعماً بالطموح والأحلام. درجاته، التي حصل عليها في الثالث الإعدادي، كانت تؤهله إلى دخول الثانوية العامة، لكنه اختار أن ينخرط في مجال الصناعة، فاختار الثانوية الصناعية باختصاص الإلكترون. لم يكن يحبّ الالتزام بالدوام، لكنَّ الدرجات العليا كانت تحبّه وتلتصق به في كلّ امتحان”. ويتحدث (ع. ح) عن حبِّ الطلاب والأساتذة لعيسى، الذي قدَّم أول اختراعاته أثناء سنوات الدراسة الثانوية، ثم تتالت الاختراعات وتتالت شهادات التقدير، حتى شارك في معرض الباسل للإبداع والاختراع، وحصد العديد من جوائزه بكافة أصنافها. وهنا يتوقف (ع.ح) عن الكلام، في محاولة لكبت بعض الكلمات، لكنه لم يبذل عناء كبيراً في كبتها، قائلاً: “اختراعات عيسى كانت مميزة جداً، وكان يتنقل بها ويعرضها على ذوي الشأن والاختصاص، ولكنه كان دائماً يواجه الصدّ، حتى إنَّ بعضهم كان يغار من اكتشافاته، وبعضهم الآخر وعده كذباً، والقليل من قدَّم القليل، وكثيرون جداً من حرضوه على السفر خارج سورية؛ بحجة أنَّ المجتمع هنا لن يستطيع أن يعطيه أيّ قيمة مضافة. وحين قرَّر السفر لم يحالفه الحظ”. عيسى عبود وُلد في الحديدة التابعة إلى محافظة حمص والتي تبعد عنها 30 كم، كان في ريعان الشباب عندما أنجز أكثر من 7 اختراعات، تهافتت السفارات الغربية للحصول عليها وإقناعه بالسفر إلى بلدانها للعمل فيها. وكانت شهادات الكثيرين فيه أنه ظاهرة عبقرية فذة قلَّ نظيرها في العالم، وهو طاقة جبارة للبلد. وقد ظهر في أحد البرامج التلفزيونية متحدياً الجميع بأنه يستطيع أن يصنع ما يضاهي مخابر ومراكز الأبحاث في الغرب واليابان.. “عيسى عبود” قُتل أثناء مشيه مع ابن عمّ له يُدعى علاء مصطفى عبود في شارع الحضارة في حمص. وأكد كثيرون ممن اطلعوا على قضيته أنه قد تمَّ التمثيل بجثتي المغدورين بعد قتلهما. يُشار إلى أنه لم يُعرف مرتكبو هذه الجريمة البشعة حتى الآن. حاولت “بلدنا” الاتصال والبحث في من قد تكون له مصلحة في قتل عيسى، لكن جميع الأطراف استنكرت القتل، الذي وصفه أحد الأطراف بأنه جريمة العصر، واستحضر أحد الأطراف لحظة إعدام العالم الكبير لافوازيه الذي حكم عليه بالإعدام، حين انتشرت الجملة الشهيرة: “ليت المقصلة، التي قطعت هذا الرأس في ثوان، تعلم أنَّ الأمة الفرنسية تحتاج إلى عقود من الزمن لتنجب مثله”.

Image كوادر الجامعات والمستشفيات وكسر ظهر العلم
في حي الخالدية في حمص كانت الدكتورة ميادة أنيس سيوف (الأستاذة في جامعة البعث في حمص- مواليد حمص 1964) في طريقها إلى مكان عملها في الجامعة، وبرفقتها ابنتها، ليختارها “أصحاب الأفق المحدود”، كما يقول أحد تلامذتها.. فهم لم يروا فيها إلا بعض الكلمات، التي أفصحت عنها، وكانت ضدّ توجهاتهم، فتجاهلوا تماماً التاريخ العلمي وقضوا على عشرات السنوات من الدراسة وتخزين المعلومات، وقاموا بإطلاق النار عليها، لتستشهد هي وتنجو ابنتها مع السائق.. الدكتورة كانت تلتزم طرفاً دون آخر، حسبما وصف بعض الطلاب، ولكنها كانت تلتزم أيضاً العلمية في سير كلّ كلامها، وكانت لا تصرّح بشكل مباشر عن ميولها. ولكن هذا لم يشفع لها بأن تستثمر ما تعلّمته طوال حياتها في بناء الوطن ومتابعة العمل على تطويره.
شاركها الطريق إلى السماء، تاركاً الأرض لمن لا يعرفها، المهندس أوس عبد الكريم خليل، المختص في الهندسة النووية في الجامعة نفسها التي تدرّس فيها الدكتورة ميادة. والمهندس أوس عُرف بالصرامة، والصدق، والقدرة الكبيرة على التعامل مع المواقف الصعبة التي تظهر قدرة الرجل فيها.. يصفه طلابه بأنه عاقل، ومتزن، وصارم، “ويعطي من قلبه”، ويحب عمله، وجعل الهندسة النووية سهلة سائغة للدارسين. اتزانه دفعه إلى الإفصاح عن ميوله، فأفصح مناقضوه عن ميولهم، وتمَّ اغتياله أثناء إيصاله زوجته إلى مكان عملها. ماذا خسرت سورية بخسارته -قال أحد زملائه- “عدا عن الاختصاص المصنّف غاية في الأهمية بالنسبة إلى سورية ومستقبل الطاقة النووية فيها، كان المهندس نابغة في التحليل والتطبيق والاستنتاج وإيجاد الحلول، إلى جانب قدرته العالية على التعليم، وعلى استيعاب ما يريده الطلاب، وقدرته العالية على الشرح والتبسيط والتسهيل. وهذه الصفات نادراً ما توجد في المتخصصين في هذا المجال”. أما المهندس ماهر غدير (مواليد عام 1974، من سكان حي المهاجرين، وهو رئيس محطة أبو رباح للغاز في حمص)، فلا يقلّ تميّزاً وخبرة عن سابقيه، بشهادة أقرانه وأصدقائه.
كحال الجامعات، لم تسلم المستشفيات والكوادر الطبية من المواقف المتحيزة، التي لا تحسب إلا حساب المكاسب الآنية، ليكون ضحية هذه المواقف الطبيب حسن عيد (الاختصاصي في الجراحة الصدرية)، والطبيب أنور السقا، والطبيب شادي زيدو في حلب، والدكتور مصطفى محمد سفر..

خوف من التحدث إلى الصحافة
كثيرون، ممن حاولنا التواصل معهم من أهالي الشهداء الذين تمَّ ذكرهم في التحقيق، لم يبدوا الاستعداد للتحدث عن الحادثة التي ألمّت بهم والخسارة التي لحقت بأسرهم، لأسباب اختلفت في الشكل واتفقت في المضمون.. فالخوف من الانتقام لأنهم تحدثوا إلى الصحافة يساورهم، حتى إنَّ بعض الأهالي طلبوا ألا نورد أسماء شهدائهم في التحقيق، حفاظاً على ما تبقى من الأسرة، وطلباً للحيادية المحضة والركون إلى ظلّ الأمان بعيداً عن ضوء الحقيقة، إذ لا يعلم أحد منهم من يطرق بابه أو من يغافله من الخلف أو حتى من يرسل له الأوراق أو التهديدات أو الزيارات غير المتوقعة والأحاديث التي تحمل آلاف المعاني بين سطورها. ومن الجمل التي طرحت وكانت جديرة بالذكر أنَّ إحدى الأمهات قالت: “قضى ولدي لأنه عبَّر عن انتمائه وتأييده طرفاً دون آخر، وأنا لن أخطئ خطأه، ولن أفسح المجال لأيّ من أقربائي بأن يتحدث عن الحادثة، حتى لا نقع في الفخ نفسه. لكن إذا كان من الضروري أن أتكلم، فأنا أنصح كلّ أمّ، تعبت على تعليم ابنها وفرحت وهي تسمع عن إنجازاته في أيّ مجال، بأن تخيط فم ابنها بالإبرة والخيط، وألا تشجعه على الإفصاح عن رأيه وانتمائه لأيٍّ كان. نحن الأمهات تعبنا وربينا أبناءنا لنفتخر بهم وهم يبنون الوطن ويسهمون أكثر من غيرهم في تطويره.. ويحقّ لنا أن نصرخ في وجه أيّ كان بأن يبتعد عن أبنائنا المتميزين، وأن يتركهم وشأنهم ولا يغصبهم على تبني طرف دون آخر.. لا يمكن لعين أن تحزن أو قلب أن يتصدع كما يتصدع قلب الأم حين ترى من أنجبت وربت وتعبت وأملت في أن يدفنها مسجّى أمامها في الكفن، ينتظر أن تدفنه.. فارحموا الأمهات، وابتعدوا عن فلذات أكبادهن.. هناك أمهات يرمين أبناءهن إلى التهلكة لأنهم لم يفلحوا في الدراسة أو الإنجاز، ولكن هناك أمهات مثلنا؛ فأبناؤنا هم النور الذي نرى الدنيا من خلاله، وهاقد أطفؤوه. وأنا لا أقول من أطلق الرصاص وحده من أطفأه، بل من اضطره أيضاً للوقوف في المكان الذي يجعله عرضة للرصاص”.
المجتمع كجسد الإنسان؛ العلماء دماغه، والعمال يداه، والفلاحون معدته، والسياسيون قدماه.. فإذا اختفى العلماء بات المجتمع معاقاً يتلاطم ويتخبط يمنة ويسرى، وإذا اختفت يداه كان سقوطه على الأرض مؤلماً لن يقف بعده إلا بشقّ الأنفس، وإن اختفت معدته مات جوعاً، وإن قُطعت قدماه استقرَّ مكانه دون حركة وتملّكه العفن.. ألا يمكن لنا -نحن السوريين- أن نتغاضى عن مواقف الذين يضيع المجتمع وينهدم المستقبل دونهم، وهل يمكن لهؤلاء، الذين نعول على عقولهم لبناء المستقبل، أن يلزموا الصمت حفاظاً علينا وعلى وطننا؟..
 

 
الاتحاد الرياضي بالمرصاد
اللواء موفق جمعة، رئيس الاتحاد الرياضي العام، أبدى أسفه واستنكاره الشديدين لما يشهده المجتمع الرياضي من استهداف، وعزاه إلى عدة أمور؛ منها تشويه صورة المجتمع الداخلي السوري، قائلاً: « الرياضة في كلّ دول العالم دليل استقرار وتوازن البلد الذي تعبر عنه، ومن هنا جاء استهداف الرياضيين والمحترفين؛ لأنهم دليل تطوّر البلد ودليل رخائها واهتمامها بتفاصيل البيئة التي تحتضن الرياضيين وتنتج المحترفين الذين يشاركون في المحافل الدولية، ويمثلون سورية بأبهى صورها، وينافسون بدورهم أبطال الدول الأخرى، وبالتالي، يرفعون علم سورية بألوانه التي اعتاد العالم رؤيتها على رؤوس صواري الدول الأخرى»، وشرح جمعة المصاعب والخسائر التي يتكبدها الاتحاد نتيجة الأزمة الحالية من تأجيل الكثير من النشاطات التي كان من المفترض القيام بها في جداول زمنية محددة، مضيفاً أنّ الاتحاد كان عمّم على جميع الأفرع واتحادات الألعاب بعض الإجراءات الاحترازية التي من شأنها حماية اللاعبين، وقال: «فيما إذا وصلنا من أحد اللاعبين أيّ تبليغ بأنه قد تم تهديده أو إنذاره من قبل أحد الأطراف، نقوم بتبليغ الجهات المختصة، وتبليغ الاتحاد المشرف على اختصاص اللاعب لتأمين الحماية له ولعائلته إن لزم الأمر»، وعمّا قام به الاتحاد تجاه الشهداء، قال جمعة: «قدمنا الدعم اللازم لأسرهم والمعونات التي من الواجب علينا تقديمها، ومستعدون لأي خدمات يطلبها أهالي الشهداء والمصابين».

الـ «فيسبوك» ساحة للشحن ومرفأ لتصدير الفتن

«التهديد بالقتل كما التحريض عليه جرم يحاسب عليه القانون فالتحريض عقوبته مطابقة للجرم الذي يتمّ التحريض عليه»

عندما عرض أحد مخرجي السينما الغربيين فكرة خطورة الرجال الآليين في المستقبل وإمكانية انتقامهم من الجنس البشري، كان يعبّر عن خطورة تحوّل الخير إلى شرّ مقيم، وقدرة الصديق على الطعن في الظهر. والآن، نشهد ما أخبرنا به هذا المخرج، من أنَّ الوقت، الذي سنكون فيه أخطر على أنفسنا ومجتمعنا من عدوّ، قد حطَّ رحاله بيننا.

وهذا ما يحدث على صفحات الـ»فيسبوك»، تلك الشبكة الاجتماعية، أو لنقل الشرك الاجتماعي الذي يحمل بين خيوطه القتلة والمترقبين والفاسقين والصالحين وقليلاً من المثقفين، والضحية بين هؤلاء جميعاً هو الشارع والعلاقات الاجتماعية، رغم اسم الشبكة.

 

¶ صفحات الفيسبوك مراكز معتمدة للشحن الطائفي والسياسي

يحتوي الفيسبوك على مقدار هائل من المنابر السورية، من جميع أطراف الأزمة. وكلُّ منبر يطلق شعارات الحيادية والسلمية والإصلاح، وأنه هو الطرف الذي كشف نقاط الضعف في بنية المجتمع السوري ويقوم بإصلاحها (طبعاً على طريقته الخاصة)؛ يقول صاحب إحدى الصفحات المعارضة: «هدفي من إنشاء هذه الصفحة أن أبيّن للناس الحقيقة، وأعطي رأيي في كل القضايا بكلِّ حرية.. هذا ما كنت أخطط له، لكنَّ الأمور تطوَّرت، والمشاركون زاد عددهم، حتى أصبحنا نطرح مشاريع وخططاً لإصلاح المجتمع، ولترجيح رأي عام على آخر، وبدأنا الاستعانة بالكثير من الخبراء النفسيين والمسوّقين الناجحين إلى جانب مصممي الصور الدعائية، حتى باتت صفحتي منبراً يجمع عدداً كبيراً من المتابعين، الذين آمنوا بما أنشره على الصفحة، ويتكلمون بالطريقة نفسها التي أتكلم بها». وهذا الشاب، صاحب الصفحة، يتكلّم بثقة قلَّ نظيرها، ويشرح كيف أصبحت الشعارات التي يطرحها والأفكار التي يعطيها تطبَّق على الأرض، وتخلق صدى إعلامياً كبيراً.

يحدِّد الشاب انتماءه بالمعارض لكلِّ شيء؛ فهو لا ينتمي إلى المعارضة الداخلية ولا إلى الخارجية، وإنما ينتمي إلى فكرة، كما يقول، مضيفاً: «أنا، ومن معي، نحدَِّد الطريقة التي نتبعها لإصلاح المجتمع، وهناك الكثير ممن حاول اختراق الصفحة وتدميرها. وهذا ما زاد في إصرارنا على الاستمرار؛ فالشجرة المثمرة تُضرب بالحجارة».

يذكر صاحب الصفحة، التي يشبّهها بالشجرة المثمرة، أسماء صفحات حاولت مهاجمة منبره؛ مضيفاً: «استطعنا التواصل مع بعض المسؤولين عنها؛ حيث سردوا الأسباب وراء إنشائهم صفحاتهم الممهورة بحبِّ الوطن والمواطن، وكيف يقومون بتنسيق العمل بينهم لضرب الصفحات الـتي تدعو إلى الفتنة الطائفية، على حدَِّ تعبيرهم؛ إذ تبثّ السمّ في منشوراتها. أما أصحابها فيلهثون وراء التخريب وهدم دعائم المجتمع والأمن والسلم والتعايش». وأخبرنا مدير إحدى الصفحات بأنه وأصدقاءه يقومون بنشر الوعي وإبعاد الناس عن هؤلاء المخربين، الذين يحتلّون العقول وينخرونها: «نردّ الكذب بالكذب في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى نعرّي أمام المتصفحين للناس كذب هؤلاء، ونكشف حيلهم، ونتحداهم ليثبتوا أنهم على حق». ويتابع شارحاً كيفية استقائه المعلومات: «نلتزم أقصى اليسار، وكثيراً ما نستنتج الكذب دون أن نستقصي، لأنَّ هناك منطقاً اعتدنا عليه ويطرح نفسه؛ فإذا كانت الأحداث المعروضة غير منطقية هاجمناها وأعددنا لها ما يلزم من ردود أفعال ومواقف». ويضيف: «نعمل على توجيه الناس إلى اتخاذ جانب من الأزمة، لأننا نؤمن بأنَّ وقت الحياد قد انتهى، وكل من ليس إلى جانبنا فهو في الجانب الآخر حتماً، لكننا لا نعمل على أساس طائفي أو ديني بل على أساس حب الوطن ضدَّ من يحب أن يخربه»؛ ختم مدير الصفحة كلامه، معرفاً عن نفسه بأنه مؤيد للإصلاحات. طبعاً حديثه جاء مطابقاً في التشدّد لوجهة نظره للطرف الآخر؛ إذ إنَّ كليهما يدّعي الصحة فيما يفعل، بينما رواد هذه الصفحات يحتشدون كلٌّ مع من يحبّ، وينهلون منهم من خلاصة الأفكار المتصارعة.

وفي هذا الإطار، تقول صفاء الزين (الخبيرة الاجتماعية): «من أخطر ما يواجهه المجتمع السوري حالياً هو السباق بين أصحاب الصفحات والمنابر الإعلامية إلى احتلال عقول العامة؛ كونه يفضي إلى انقسام في طبقات المجتمع وفي الأداء والمجهود الفردي». وتبيّن الخبيرة كيفية الاستقطاب الارتجالي والآلي الذي يحدث في المجتمع: «عندما يقع الفرد العادي ضحية قصتين متناقضتين عن حدث معيّن، فهو يلجأ إلى القصة الأقرب إلى مجتمعه وبيئته. فمثلاً، إذا عرضت إحدى الصفحات صورة رجل قد تمَّ تعذيبه بعنف وقذارة، ومُهرت هذه الصورة باتهام أحد الأطراف بالتعذيب، ثم تمَّ عرض هذه الصورة نفسها، ولكن من الطرف المتهم، وهو يشرح كيف أنَّ الطرف الآخر قام بهذا الفعل؛ نجد أنَّ هناك رأيين، وأنَّ هناك من يؤمن إيماناً مطلقاً بإحدى الصفحات، ويبني ردات فعله بناءً على ما يوضع من تعليقات تحت الصورة.. فقد يخرج إلى الشارع لينفذ موقفه، وإذا لم يفعل نفَّس عن غضبه بتعليق آخر، ليقرأه رجل آخر، فيستشيط غيظاً. فإذا كان قادراً على النزول إلى الشارع أو حمل السلاح، ارتكب جريمة أو مارس عنفاً من نوع ما في حقّ أحدهم ممن اقتنع بأنه المسؤول عن العنف أولاً. وبالتالي، كما تكون هذه الصفحة هي من قام بتجييش هؤلاء، تكون هي نفسها من حرَّض وفرّق ونفّذ».

بالإبحار في عالم الفيسبوك، وخاصةً في الصفحات السورية، تجد ما يندى له الجبين من عناوين؛ إن تخيَّل المرء تطبيقها في الشارع، عَرف أنَّ السوريين أنفسهم هم من يحيكون المؤامرة ضدَّ أنفسهم. تقول منى، وهي خريجة علاقات سياسية ودولية من جامعة دمشق: «هناك صفحات صنعت فقط لبثّ الخوف في قلوب روادها، وهناك صفحات لبثّ الضغينة ضدّ طرف من الأطراف وإثارة مشاعره واستفزازه. والجميع يدَّعي أنه محبٌّ للوطن ويدافع عن أرضه وشعبه. ولكن كما تعلمنا في علم السياسة، السياسي لا يمكن أن يحمل مسدساً لكنه يستطيع أن يشعل حرباً. وهؤلاء أقرب إلى المراهقين المندفعين، الذين يردون السيئة بأكبر منها، ومن ثم ينفون اتهامهم بارتكاب جريمة».

 

¶ مراصد للقتل ودعم لوجستي للقناصين

كثير من الصفحات على الفيسبوك تحتوي على معلومات، هي أقرب إلى الجريمة الموصوفة. هذا لأنها انتهجت نهج إصلاح، ولكن على طريقتها الخاصة؛ بأن تضع صورة شخص معين، متضمنة معلومات شخصية عنه وعن أسرته ومكان سكنه وطريق سيره والأماكن التي يزورها، وتطلب من كلّ من يقابله أو يعرفه أن يقضي عليه، أو أن يرسل إليه تهديداً بالقتل أو بتخريب ممتلكاته أو حتى خطف أحد من أقاربه، بذريعة أنه مخرب في المجتمع. وهذه الصفحات تنتمي إلى جميع الأطياف، على ما يبدو. يقول سالم، مدير صفحة تنتهج خط الدفاع والهجوم (حسب وصفه): «نحن نردّ عليهم بالمثل؛ فهم يهدّدون الأبرياء، ونحن نبحث عنهم ونحاول اختراق حساباتهم لمعرفة تفاصيل عنهم ثم ننشرها. نحن لهم بالمرصاد». مدير صفحة أخرى، قال: «قامت إحدى الصفحات بنشر صور وتفاصيل ثلاثة من مديري صفحتي، وتمَّ الاعتداء عليهم بالضرب والشتم. ونحن بدورنا قمنا بالتحقق من مرتكبي هذا الاعتداء، وقمنا بالتشهير بهم ونشر صورهم. وبالفعل استطعنا الوصول إلى أحدهم وإرساله إلى المستشفى». يستدرك مدير الصفحة، قائلاً: «نملك الحقَّ في التعبير عن آرائنا، كما يملك الآخرون في الضفة المقابلة هذا الحقّ».

معظم الصفحات، التي نشرت الفكر المتطرف و«المتزمت» لكلا الطرفين، كانت تبدأ بكلمات تدعو إلى التفاؤل والتعامل مثل: «معاً لـبناء سورية- معاً لحماية الوطن- نعم..»، وتنتهي بما يدلّ على السلمية والصداقة والتعايش. ولكن هذا كله لم يظهر في أحاديث أيّ من مديريها ومشرفيها. ويفسّر أحدهم هذا التناقض، بالقول: «لم أكن أنوي أن تكون الصفحة منبراً للدلالة على أشخاص وتخوين فلان وعلان. ولكن عندما رأيت صورتي وعنواني على إحدى الصفحات، وقد كُتب تحت صورتي كلمة «الخائن»، غضبت جداً، وبدأت بانتهاج هذا الأسلوب، ولكن بحرص؛ فأنا في صفحتي لا أقوم بنشر الدعوات إلى قتل الخونة، ولكن أسمح فقط بالدعوات التي تطالبهم بالعودة إلى طريق الصواب وعدم الإضرار بالآخرين». وما نقوم به -يتابع مدير الصفحة- هو «عرض صورة من نعتبره عنصراً مؤذياً في المجتمع، ونطلب ممن يعرفه أن ينصحه، وهدفنا الأساس أن يرتدع عما يفعل».

ما قاله الشاب لم يكن واقعياً على الإطلاق؛ فالوقائع، التي تحدَّث عنها كثير من رواد الصفحات المشابهة التي تنشر أسماء من تسميهم «الخونة والعملاء»، أكدت أنَّ كثيراً من الأبرياء قد تمَّت تصفيتهم بعد أسبوع أو أسبوعين من نشر أسمائهم على هذه الصفحات، والصراع مازال على أشده بين أصحاب الصفحات، وجبهات كبيرة تُفتح عندما تخطئ إحدى الصفحات في خبر ما أو في موقف معين؛ حيث تبدأ الصفحات الأخرى بكيل الاتهامات عليها. وكل هذا يقرؤه العامة، ويؤثر فيهم بطريقة أو بأخرى، فيجيّشهم إما لليمين أو لليسار، مسلّحين بكامل الأسلحة السلبية التي يمكن أن توجّه إلى عقل بشري.

مدير صفحة «عن حارتنا الحميدية ببساطة» شرح معاناته، قائلاً: «أنشأت هذه الصفحة حتى أقوم بطمأنة النازحين من المنطقة عن أوضاع منازلهم وأملاكهم. ولكن بعد فترة وجدت نفسي في خضمّ معركة شرسة، شنّها عليّ جميع الأطراف، لأني، كما يقولون، بقيت في المنتصف من جميع الأطراف، ولم أتخذ جانباً أدعمه، ثم اتُهمت بأني أعطي المعلومات عن الأطراف جميعاً لجميع الأطراف، وتلقَّيت الكثير من التهديدات بإنهاء حياتي إن لم أنهِ هذه الصفحة أو أتبنّى جانباً معيناً، فرضخت إلى بعض المطالب، واضطررت إلى اتباع سياسة مشددة في كل ما يكتب على الصفحة حتى لا أُقتل». أما مدير صفحة «الدومري» -وهي صفحة معارضة بشدة- فأوضح أنه سافر إلى خارج سورية نتيجة التهديدات التي كانت تصله، وقال: «كانت الرسائل تأتيني على الصفحة، ومغزاها أنهم قد عرفوا من أنا، وسيأتيني الدور لأموت شرَّ ميتة؛ لأنَّ صفحة الدومري هذه -بحسب تعبيرهم- تعدَّت في تعبيرها المألوف، وكسرت كلَّ حواجز الأدب والأخلاق والسياسة..». في حين يعلّق صاحب صفحة «قنّاص الخونة»: «بحثت عن مؤسس صفحة الدومري، واستطعت اختراق صفحته الشخصية ومعرفة من يكون، لكنه اختفى فجأة. ولولا ذلك، لكنت أفهمته كيفية نكران الجميل للبلد الذي أنشأه وعلمه». من جانبه، قال مدير صفحة «صوت الشعب من دمشق»: «هناك أشخاص من فريقنا مهددون بشكل مباشر في أيّ وقت من قبل أعضاء الصفحات المناقضة لتوجهاتنا. ولا يمكننا فعل شيء إزاء ذلك سوى أن نكون حريصين في التنقلات وفي التعرّف إلى الأصدقاء الجدد». ويضيف: «يتهموننا بأننا (عواينية)، ويقومون بنشر الصور صراحةً، لكنني لم أشعر أبداً بأنَّ الحالة خطرة إلى درجة التصفية أو القتل. ولكن من خلال مراقبة أسلوبهم العدائي في التنفيس عن الغضب، أدركت تماماً أنهم منظمون ويعملون حسب خطط مسبقة». وعن إمكانية أن يكون الفيسبوك منبراً للتجييش الشعبي وحقن الضغينة وإثارة الشارع، قال: «أعتقد أنَّ الفيسبوك هو ساحة لتفريغ الشحنات السالبة والكبت. ومن أسف، كانت نتائجه كارثية في تأطير الشارع وتوجيهه في الاتجاه المعاكس لسير الإصلاح والسلام. لذا أنصح بعضهم ممن يظنون أنهم يقومون بعمل وطني ويلجؤون إلى استفزاز الآخر، ظناً منهم أنه الردّ المناسب، بأن يبتعدوا عن هذه «الحمية الغبية» التي وُضعت في غير مكانها».

 

¶ صفحات أخبار و«العين بالعين».. والناتج: تحزبات وشتائم

كالنار في الهشيم، انتشرت صفحات الأخبار الخاصة بكلّ محافظة في سورية على الفيسبوك، وصار القاصي والداني يعلم أنَّ الفيسبوك هو الملاذ لمعرفة أخبار المناطق من الطرفين. فكلما أنشأ طرف صفحة، أنشأ الطرف الآخر صفحة مشابهة لها في المضمون معاكسة في الاتجاه، لتبدأ رحلة الخبر ونفيه وتكذيبه، ثم إثباته، ثم شتم من بثّه وإعادة شتم الشاتم الأول، ثم التعليقات على الخبر، حيث لا يمكن أن يخلو تعليق من لفظ استفزازي للطرف الآخر، ليعود الطرف الآخر ليجيب بطريقة استفزازية أكبر، فيتعرّف الطرفان إلى بعضهما بالطريقة التي تعبّر عن كل منهما، وتكون الفكرة في النهاية أنَّ هذا الطرف يريد ذبح الطرف الآخر الذي يفكّر بدوره في تفجيره. وهذا كله تحت مظلة الفيسبوك والمشرفين على الصفحات. أما إن وجد أحد حيادياً، فيفهم أصدقاؤه أنَّ الصفحة محترمة ولا يريد أن تُعرض الشتائم عليها.

يقول مدير صفحة «شبكة أخبار سورية»: «نعمل على إيصال الخبر بالسرعة الممكنة للجميع؛ لتأمين الدعم للأهل، ونشر الأخبار الصحيحة قبل تشويهها من قبل الصفحات الأخرى، ليتمّ الاطلاع عليها من قبل أكبر عدد ممكن من السوريين في الداخل والخارج. ونحن نتوخّى الحيادية قدر الإمكان، ولكن طبعاً ليس على حساب أمن الوطن وسلامته». ويضيف: «لقد كلفتنا هذه الصدقية الكثير؛ فأنا وزملائي في الشبكة ننصح الجميع بعدم استخدام صورهم الشخصية على الفيسبوك وعلى الصفحة، حتى لا يتمّ التعرف إليهم من قبل الطرف الآخر، ويصبحوا بذلك في دائرة الخطر». وأكّد نأي صفحته عن التصرفات المتعنتة والارتجالية في تهديد الآخرين، وفضحهم أو التشهير بهم. وأضاف: «من المؤكد أننا لن نُقابل من يشهّر بنا وينشر صورنا ويهدّدنا بالمثل؛ فنحن في النهاية نعمل على حلحلة الأمور ونشر ثقافة التسامح وليس الصدام في سورية، على الرغم من أنَّ الكثيرين قد طالبوا الصفحة بأن تنشر مثل هذه الصور والتصرفات، ولكنَّ رَفضنا كان شديداً؛ على اعتبار أنَّ أسلوبنا يختلف عن أساليبهم. ولو توافرت لدينا أيّ معلومات سنوصلها إلى الجهات الأمنية المخوّلة بهذه الأمور، انطلاقاً من سعينا إلى توحيد الصف السوري بعيداً عن أيّ تأجيج أو انقسام».

كثير من مديري الصفحات أكدوا أنَّ الفيسبوك أصبح المنبر، وغرفةَ العمليات التي يعتمدون عليها في تنفيذ ما يريدون، وفي توجيه الرأي العام السوري وفقاً لتوجهاتهم.. يقول صاحب صفحة تضمَّنت في اسمها اسم مدينة «حمص»: «نحن هنا لنوجه رسالة واضحة، ولنسمع صوتنا للجميع. والأخبار التي نبثّها ليست كالتي يبثّها الآخرون؛ فنحن لا نعتمد على سياسة القصّ واللصق من المواقع الأخرى، ولا ننتظر المواقع لتنشر الخبر فنسرقه، بل لدينا مراسلون، ونعتمد على الأسلوب التفاعلي؛ فالجميع يمكنه أن يضع الخبر الذي يريد، وفي حال تبيَّن كذبه يتمّ حظره ومنعه من الكتابة لكذبه أو تلفيقه. والآن، بعد مضي سنة كاملة على إنشاء الصفحة، لم يُنشر أيّ خبر كاذب، كما لم نُهن أحداً، ولا نتبع أسلوب التهديد. ولكن في حال تطفَّل أحد من الطرف الآخر ليقوم بالتهديد والوعيد، فالجميع لديه الحرية ليقول أيَّ شيء يريده للردّ على المتطفلين». وعن التهديدات التي يتلقّاها هو أو أحد زملائه، قال: «بصراحة التهديدات يومية، بل ساعية، ولكن لا جدوى منها؛ فنحن حريصون على ألا نُعرف، وحريصون على ألا ندخل في سجالات عقيمة قد تتسبَّب في كشف هويتنا للآخر».

 

¶ قانونياً: المحرّض كالفاعل والجميع له الحقّ في الادعاء

المحامي صالح النجار ( الخازن في نقابة المحامين- فرع ريف دمشق) أكد أنَّ التهديد بالقتل والتحريض على القتل هو جرم يحاسب عليه القانون؛ فالتحريض عقوبته مطابقة للجرم الذي يتمّ التحريض عليه، وذلك حسب المواد 199 وحتى 218 من قانون العقوبات: «المحرض تماماً كالشريك، سواء تمَّ الجرم أم لم يتمّ».

وشرح النجار أنه «حتى لو لم يتمّ القتل أو تنفيذ التهديد، هناك حالات يشرحها القانون وتعدّ شروعاً في القتل. فإذا كان المانع من القتل طبيعياً خارجاً عن إرادة المحرض والقاتل المفترض، كان شروعاً تاماً في القتل. أما إذا تراجع القاتل وكانت كلّ الظروف مطابقة لما خطّط له لعمل جريمته، ولكنه توقف عن الفعل الجرمي في اللحظة الأخيرة، فهذا يعدّ شروعاً غير تام بالقتل. وفي كلتا الحالتين تجب محاسبة كل من يقوم بالتحريض. ويمكن لأيّ متضرّر من نشر اسمه على أيّ موقع على الإنترنت أن يقيم دعوى ضدّ كلّ من يهدّده فرداً أو جماعة، رغم أنه لم تصدر أيّ تشريعات تُفضي بأخذ بيانات من الإنترنت كأدلة جازمة. ولكن يمكن أن يستأنس القاضي بما يقدَّم له من بيانات مثبتة عن المكان أو الموقع الذي تمَّ التهديد من خلاله؛ لأنَّ القانون يُعاقب على لفظ أو كتابة أو إشارة بالإساءة أو تهديد بالقتل أو الخطف. ويحقّ لكلِّ متضرِّر أن يحفظ نفسه باللجوء إلى القضاء». وأوضح المحامي النجار: «صحيح أنَّ القانون السوري لم يذكر حالات الإنترنت لأنها مستحدثة على المجتمع السوري، ولكن هذا لا يعني أنه قاصر». وذكر مثالاً على ذلك: «لو تمَّ اكتشاف مجموعة تأكل لحوم البشر في سورية، يمكن التعامل مع القضية قانونياً، حتى لو لم تكن مذكورة نصاً في قانون العقوبات».

 

¶ أداة طيّعة بيد السوريين

أدى الفيسبوك دوراً كبيراً على صعيد الحركات الداخلية في دول كثيرة، وأدّى إلى تغييرات حميدة في بعض الأحيان وخبيثة في أكثرها -ولكن أن يصل الأمر إلى أن يُستخدم كأداة للتحريض على القتل والخطف والفساد في المجتمع..!- كما لعب دوراً في مساعدة الكثيرين على النجاة من المشكلات والرجوع عن الانتحار، وساعد الكثير من المرضى في إيجاد من يساعدهم في الشفاء من أمراضهم أو في دفع تكاليف العمليات الجراحية. فهذا يعني أنه أداة طيّعة، تتشكّل كما يريد مستخدمها، وهذا دليل على أنَّ من يستخدم الفيسبوك في سورية هو من يمتلك القدرة على تحريك الشارع وعلى تحقيق الخطر أو رفعه؛ فالعلم والتطور والتقنيات.. كلها ليست سوى عصا سحرية، يمكن أن تصنع دبابة، أو أن تعطي مزرعة من الورود، أو تحفر قبراً لصديق.

عودة النازحين إلى منازلهم

“إصلاح بعضها خير من البدء من جديد.. وخوفنا الوحيد أن نكون دروعاً بشرية “
في غمرة الصراع الدائر بين سياسات لا علم للعامة بها، تنهمر دموع هؤلاء على مستقبل ضائع، أو على حب تاهت أماكن ذكرياته، أو على منزل حملت جدرانه آلاف الصور الذهنية عن اجتماع العائلة ومشكلاتها وابتساماتها، وعن أفراحها وأحزانها. في غمرة هذا الصراع، وبين مسيلات تلك الدموع، ضاعت آمال كثير من أهالي المناطق المنكوبة في العودة إلى منازلهم؛
إلى المكان الذي يحمل ما يحمل من حبّهم وأملهم ومستقبلهم، بعد أن وجدوا أنفسهم، بين رصاصة وصوتها، نازحين إلى مناطق لايعرفون عنها الكثير، ويرتمون بين أمواج تنقَّلت بين الاستغلال والاحتضان.
انتشرت، عبر صفحات التواصل الاجتماعي، دعوات كثيرة إلى مَن غادروا منازلهم ومناطقهم، للعودة إليها.. دعوات مطمئنة في أغلبها، لكن ردَّ الفعل اتجاهها كان بارداً جداً من قبل بعض النازحين، وقوبلت بالاستجابة السريعة من قبل بعضهم الآخر..
دخلت بلدنا إلى مناطق الأزمات، وإلى المناطق التي انتشر فيها النازحون.
 
¶ في حمص عودة خجولة.. وقلة في الخدمات 
في منطقة الحميدية وما حولها (بستان الديوان، الورشة…) كان حجم الدمار يرقى لندعوه منطقة منكوبة، فالصراع هناك على أشدّه، والمعارك تهدأ حيناً وتشتدُّ حيناً آخر. ولكن، على الرغم من هذا، كان هناك ما يزيد على 350 عائلة أبت أن تترك مسكنها وأحلامها، ورفضت الاستسلام لفكرة أنَّ الدمار أبديّ، وأنَّ ما يحدث هناك سيستمرُّ إلى ما لانهاية، والجميع كانوا متفائلين. يقول أحد أفراد أسرة تقطن هناك: «نعلم تمام العلم أنَّ الوجود هنا خطر على أرواحنا، ولكننا مفعمون بالتفاؤل بأنَّ الأمور ستستقرّ، وأنَّ كلَّ شيء سيكون على ما يرام.. نشعر بأنَّ المستقبل سيكون أفضل، وأنَّ الأمور ستُحلُّ بطريقة سليمة وبفاعلية تضمن سلامتنا جميعاً».. ويكمل، وهو شاب في العشرينات: «أنا طالب في الجامعة. طبعاً خسرت ما خسرت من الوقت والفرص في الدراسة، وكان يمكنني أن أترك أهلي هنا وأرحل إلى دمشق أو حلب لأكمل دراستي هناك، ولكنني آثرت البقاء هنا، لأعيلهم في حال وقع أيّ مكروه». ويشرح الشاب: «لقد كان البناء الذي نسكنه يعجُّ بالسكان، والجميع تقريباً فرُّوا بأرواحهم خوفاً إما على أطفالهم وإما على كلِّ شيء.. أما الآن، فنحيا بسلام مع وقف التنفيذ.. الطعام متوافر، والخدمات جميعها متوافرة، ولانخشى شيئاً هنا سوى الوقت الذي يقع خلاله سوء التفاهم بين الأطراف، ويصبح الرصاص سيّد الموقف، لكننا اعتدنا على هذا».
 الخدمات التي ذكرها الشاب كانت متوافرة بالفعل؛ من تيار كهربائي وماء، ودواء، وكذلك الخضار والمواد الغذائية، ولكن بأوقات محدَّدة، كما تقول إحدى السيدات، التي تعمل على خدمة المواطنين الذين لم ينزحوا، وتوزِّع عليهم حصص المعونات المتوافرة، التي تقدِّمها غالباً منظمة الهلال الأحمر السوري. وتضيف السيدة: «لاأستطيع المغادرة وترك العائلات من دون مساعدة، ولاأستطيع هجرة منزلي وكلّ ذكرياتي، يكفي ما لقيته من حزن حين بدأ السكان بالنزوح خوفاً، وطلباً للأمان».. وتحدَّث السكان كيف أنَّ هذه السيدة تقوم بالتنسيق مع كلِّ مَن يستطيع تقديم المعونات للسكان، ومن ثم توزيع هذه المساعدات على الأهالي.. وتتضمَّن هذه المساعدات: الأدوية، والطعام، وبعض الحاجيات الخاصة التي لايمكن أن توجد بكثرة في تلك المناطق في هذه الظروف.
وعن عودة النازحين قالت: «كلّ يوم هناك عودة للنازحين، منهم مَن يختار الرجوع والبقاء هنا، ومنهم مَن يأتي ليأخذ أثاث المنزل ويستقرَّ في محافظة أخرى»..
إحدى العائلات، التي كانت تنقل أثاث منزلها، أبدت استياءها من الوجود في المنطقة. يقول ربّ العائلة: «رحلت أنا وعائلتي بسبب الدمار والمعارك، ولن أغامر بحياة أحد منهم، استأجرت منزلاً فارغاً، وأنا الآن أنقل أثاث المنزل إليه، وطبعاً هذا لايفرحني، ولكن ليس هناك حلٌّ آخر أمامي، وكنت أتمنَّى لو أنَّ عندي الجرأة التي لدى الأسر الباقية لأبقى»..
يخالفه الرأي ربّ أسرة آخر بقوله: «عدت مع عائلتي بعد أن استقرَّت الأوضاع قليلاً في هذه المنطقة، كنت أتخيَّل أنَّ الموقف، حين عودتي، سيكون خطراً، وأن نكون في خطر دائم، ولكن الآن تغيَّر الوضع على ما أعتقد، والهدوء النسبي عاد.. أما الخدمات، فهي متوافرة هنا، حتى خدمات الإنترنت أصبحت متوافرة في بعض المناطق، والتغطية الخاصة بالخليوي متوافرة.. الإزعاج الوحيد هو صوت الرصاص في الليل، وهذا يمكن التعوُّد عليه». وختم بطريقة التسليم بالأمر: «سعرنا بسعر غيرنا»..
 
¶ عودوا إلينا فنحن ننتظركم
في فسحة هادئة خضراء، تجمَّع كلُّ مَن يرغب في الارتياح من المناظر المثيرة للحزن في شوارع (الحميدية وبستان الديوان).. هذه الفسحة في مدرسة الآباء اليسوعيين، هي أقرب إلى أن تكون قطعة من التكية السليمانية في دمشق؛ بظلّها وهدوئها وحميميتها.. يجتمع فيها السكان والشباب لتدارس أحوال أهل الحي، وتنظيم توزيع المساعدات على السكان، وتأمين طريق العودة للنازحين، ومساعدة الخارجين من المنطقة في وضع أثاثهم في الشاحنات.. في هذا الجو، التقينا الأب ميشيل نعمان أشمندريت، في مطرانية السريان الكاثوليك، المعروفة باسم «الروح القدس»، وهو من أصحاب الأيادي البيضاء، الذين قاموا بتقديم المساعدات الكثيرة التي شهد له بها أهل المناطق المحيطة بمكان عمله. شرح الأب: «النقص في الخدمات والأمان ليس بسبب الأحداث فقط، بل بسبب السكان الذين تركوا أعمالهم وأشغالهم ونزحوا، فالدكاكين مغلقة تماماً، والأسواق فرغت لأنهم رحلوا». وبيَّن الأب ميشيل المصاعب التي حدثت وجعلت 99 % من السكان ينزحون، وكيف سبَّب هذا الأمر ضرراً في البنية الاجتماعية والصحية في البلاد. يقول: «نحن نعيش هنا في خطر، ولكن هذا الخطر كان ليكون أقل لو أنهم لم يرحلوا. نحن بصفتنا مسؤولين ووجهاء، لدينا القدرة على التعامل مع جميع الأطراف ليكونوا حريصين على أرواح الناس هنا»..
عن سبب هذا الفراغ المفاجئ في المنطقة، قال: «كثير من السكان رحلوا، وصار الجميع يخشى على نفسه، خاصة أنَّ أسرة- أو أسرتين- في بناء من خمس طوابق لن تستطيع البقاء، وأبنية كاملة قد فرغت، فمن كان يفضِّل البقاء وجد نفسه وحيداً هنا فاضطرَّ إلى الرحيل، ما أدَّى إلى اتِّساع دائرة المعارك، لخلوّ الشوارع والأبنية».. ويضيف: «هناك مَن يعود، ولكنه يخشى من عدم توافر الاستقرار.. نعمل على زيادة أعداد القادمين والعائدين بكلِّ ما نستطيع.. أنا شخصياً أعمل مع جميع الأطراف هنا لمنع وصول الرصاص إلى المناطق المأهولة حالياً، ونحن ننجح، لأنَّ الأطراف متعاونة بشكل يدعو إلى التفاؤل.. مَن سيعود لن يجد المنطقة كما اعتاد عليها، ولكنه سيسهم في بنائها مرة أخرى.. أنا أحبُّ أهل المنطقة جميعهم، وأريدهم أن يستذكروا المنطقة في أوقات السلم والهناء، وأن يعودوا إليها، لتدبَّ الحياة فيها مرة أخرى.. نحن هنا بحاجة إلى الجميع، فمَن يستطيع العودة يجب أن يعود».. ويؤكِّد الأب أنه لايفرض العودة على أحد، ولكنه مستعدٌّ لتقديم المساعدة في أيِّ وقت، فكثيرون يتَّصلون به ليؤمِّن لهم الدخول إلى المنطقة، وأخذ ما يريدون من أثاث، ثم الخروج منها.. وشرح الأب ميشيل أنه يقوم بكتابة ورقة تبيِّن أنَّ حاملها هو مِن سكان المنطقة، وأنه قد أخذ الأثاث من المنطقة بعلم أهلها، ومعرفتهم، وهذه الورقة ممهورة بالختم والتوقيع، على أمل أن يعود مع أهله ويستقرُّوا، متفائلاً بمستقبل المنطقة وبالهدوء والسلام الذي سيحلُّ بسرعة..
بدوره، يؤكِّد الأب فرانس اليسوعي، في دير الآباء اليسوعيين في حمص، أنَّ الخدمات متوافرة، وإن كان بكميات قليلة نسبياً، منوِّهاً إلى أنَّ رحيل السكان كان سبباً رئيساً في تأزُّم الوضع. وشرح أنَّ النقص في المواد كان بسبب نقص العاملين على تأمينها.
 أما عن عودة النازحين، فالأب فرانس كان له رأيٌ آخر، عبَّر عنه بقوله: «المعارك هدأت، ولكن لاأحد يدري متى يمكن أن تتَّقد شرارة الصراع من جديد، لأني أعتقد أنَّ هناك صراعاً حاسماً على الطريق، وهنا تكمن المسؤولية التي لايمكن لأيٍّ منا تحمُّلها، فأنا لاأستطيع أن أدعو الناس إلى العودة، وأنا نفسي لست قادراً على رسم مستقبل المنطقة، ولن أعد الناس بالأمان المطلق فيما إذا عادوا»..
ما لاحظته «بلدنا» خلال جولتها في تلك المنطقة، أنَّ الوضع بدأ بالانتعاش، فبعض دكاكين البقّالة وأفران الفطائر والمقاهي قد تمَّ افتتاحها مرة أخرى، أما العقبات الوحيدة التي واجهتها «بلدنا»، فكانت كثرة الحواجز الأمنية من جميع الأطراف، والبطاقة الشخصية تعدُّ مِن أهم المقتنيات الإنسانية في تلك المنطقة.
النازحون من المناطق الحمصية إلى دمشق ووادي النضارة، بدوا غير متفائلين بالعودة إلى منازلهم في حمص، ونفوا نيتهم العودة في المستقبل القريب والبعيد، إلا عندما يتمُّ حلُّ الأزمة بشكل كامل بين جميع الأطراف، فالقصف والرصاص، في رأيهم، لايملكان عيوناً، ولايفرِّقان بين طفل وعجوز.. أما عن الفكرة التي طرحها الأب ميشيل نعمان، حول أنَّ الوجود البشري المدني في المدينة سيخفِّف من شدة القصف وإطلاق النار وانتشار الأطراف على الأرض، فقد أيَّد معظم من قابلناهم في دمشق ووادي النضارة هذه الفكرة، شريطة أن تنفَّذ بشكل جماعي منظَّم، وأن تكون هناك تطمينات من الأطراف جميعها بأنَّ المناطق المأهولة بالسكان ستكون آمنة بشكل كامل، لا أن يُستخدم المدنيون كدروع بشرية لأيِّ طرف كان، فهذا الأمر كان أكبر مخاوفهم.
يقول أحد النازحين: «الأطراف المتصارعة على الأرض من مصلحتها الإستراتيجية أن يتمَّ إفراغ المدينة من السكان المدنيين الأبرياء، حتى لايستخدمهم أحد الأطراف كحاميات بشرية لهم ولتحرُّكاتهم، وهذا حقّ كلِّ طرف؛ أن يكشف الطرف الآخر ويعرِّيه من كلِّ ما يمكن أن يحميه ويدعمه.. ولكن، ليس من حقّنا أن نعرِّض أنفسنا إلى الخطر بأيِّ شكل من الأشكال، ولكن في حال كانت العودة جماعية، فالأمر سيختلف تماماً».. ويتابع: «هناك مَن عاد واتَّصل بنا وأخبرنا بأنَّ كلَّ شيء على ما يرام، وهناك مَن ذهب إلى هناك وعاد في حالة من الهستريا والخوف والحزن»..
 
¶ في إدلب.. العودة حميدة إلى بعض المناطق
عائلات كثيرة من قرى إدلب، كانت قد تركت منازلها وأراضيها عند اشتداد الأزمة، والأكثرية العظمى منها قد عادت إلى مناطقها بعد انتهاء المشكلات.. يقول مختار إحدى القرى: «مرَّ وقت على هذه الناحية لم يكن فيها من السكان أكثر من أصابع اليد الواحدة، بعد أن كان سكانها يعدّون بالآلاف.. فباتت تسكنها الأشباح والخراب والقمامة، لذا سعيت، أنا وعدد من الأشخاص الذين ظلّوا هنا ولم يغادروا، إلى التواصل مع النازحين وتقديم التسهيلات، تمهيداً لرجوعهم، وبالفعل بدأت الحياة تدبُّ من جديد، وكان تنظيف المدينة وإصلاح ما تخرَّب فيها من أولويات العائدين، والآن كما ترون عدنا كما كنا، وبدأت ملامح الحضارة تعود إلينا بعد أن رحلت لأشهر، وبدأ العائدون إصلاح منازلهم والتخلُّص من بقايا الصراع، وصيانة المرافق العامة، ما شجَّع الموظفين في البلديات على ممارسة عملهم بشكل كامل، فالحياة البشرية هي ما أعاد المناحية إلى ما كانت عليه، لأنه لو لم يكن هناك سكان لما تجرَّأ عمال النظافة وعمال الصيانة الحكوميون على الدخول إلى المنطقة»..
 سكان المنطقة كانوا مرتاحين جداً بالعودة إلى منازلهم. يقول ربّ إحدى الأسر التي نزحت عن الناحية لأكثر من ثلاثة أشهر: «تكبَّدت الخسائر المالية الكبيرة مقابل إيجارات خيالية للمنازل المفروشة.. بالفعل لاشيء يضاهي الفرحة بالعودة إلى المنزل، وإن كان قد أصابه بعض التخريب والهدم، فإصلاح بعض ما خُرِّب خير من البدء من جديد».. جميع مَن عادوا إلى النواحي والقرى في إدلب كانوا يشتكون من قلة الخدمات التي تقدِّمها البلديات، ومن خوف العمال من العمل في الطرقات، ومِن الإهمال الذي يتعرَّضون إليه من قبل الجهات المعنية بتحسين الوضع المعيشي في نواحيهم، ولكن هذا لم يثنِ الأسر عن العودة، خاصةً أنَّ الخطر الذي تسبَّب في خروجهم قد زال، وهم لايشتكون إلا من الإهمال فقط، كما يقولون، ويدعون الجهات المختصة إلى التساهل في بعض إجراءات الصيانة، وتسهيل مرور سيارات المواد الغذائية والأساسية كالوقود والطحين.. ما لاحظته صحيفة «بلدنا» في زيارتها إلى تلك القرى، أنَّ الحياة طبيعية بشكل مثالي تقريباً، وأنَّ المشكلات أصبحت مشابهة لمشكلات الناس في باقي المناطق الآمنة في سورية. والتقينا عدداً من العائدين الذين أرادوا أن يعود باقي النازحين إلى منازلهم من دون خوف، فالجميع هنا متعاونون، وما ينقص الفرد تأمينه مسؤولية الجميع، والتكاتف سيّد الموقف في تلك القرى.. يقول أحدهم: «عدت منذ شهر تقريباً، ووجدت أنَّ منزلي قد تعرَّض إلى النهب والتكسير والانتهاك بكلِّ ما تحمل الكلمة من معنى، ولكن ما واساني أنَّ الجميع لم يتجاهلوا المصيبة التي أصابتني؛ فبعضهم أعطوني الفرش، وآخرون تبرَّعوا بأواني المطبخ، وآخرون بالمال لأصلح الجدران والسقف.. وهكذا وقفت على قدمي أنا وأسرتي بعد أن كنّا مشرَّدين من منزل إلى منزل، ومن مدينة إلى مدينة.. أنصح الجميع بالرجوع، فهناك ما يقارب عشر أسر مازالت تخشى من العودة، وهذا أمر طبيعي، فما حدث لايمكن أن يتمَّ نسيانه أو تجاهله، والخوف الذي تملَّكنا مازال يحمل آثاره في ذاكرتنا»..
 الجميع في إدلب، ممن قابلناهم، كانوا قد أكَّدوا وأصرُّوا على أنَّ أكثر عمل أسهم في زيادة التخريب وزيادة السرقات واستباحة القرى، كان نزوح الأهالي، ما جعل الأطراف حرَّة في التصرُّف بالقرى كما تريد، من دون حساب لبشر أو حجر.
النازحون من إدلب إلى دمشق أبدوا عدم رغبتهم في العودة إلى أن يحلَّ الأمان بشكل كامل، وكان دأبهم دأب أقرانهم من حمص؛ فهم لايريدون المخاطرة ولا حتى بقطرة دم، ولسان حالهم يقول: «المال يمكن أن يضيع ويُعوَّض، أما الروح فلايمكن تعويضها أو التفريط فيها أبداً»..
حجم الدمار في العمران في مناطق إدلب كان أقل مما شاهدناه في حمص، ربما لأنَّ تلك القرى كانت تعتمد على الأبنية الأرضية بشكل كثيف، ولايوجد كثير من الأبنية الطابقية فيها، وبالتالي الخسائر يمكن القول إنها أقل بشكل عام من الخسائر في حمص، والخطورة أصبحت شبه معدومة في كثير من القرى، وما نقصده هنا «خطورة المواجهات بين الأطراف».. أما عن باقي مشاهد الأزمة، فهي واضحة بشكل جلي على الجدران، وعلى الشوارع، وفي المظاهرات الليلية التي لاتستمرُّ أكثر من دقائق، ولاتشكِّل خطراً على السكان بشكل عام، كما قال قاطنو تلك المناطق..
 
Image ¶ حماة: نزحنا ثم عدنا ثم نزحنا ثم عدنا
في حماة، كانت بعض القرى تعاني من مشكلة النزوح، والمناطق المتبقّية استطاعت أن تصمد تحت شدة الصراع. يقول أهالي إحدى القرى: «خرجنا عندما احتدم الصراع وصار الرصاص هو الآمر والناهي ليل نهار.. ندرك أنَّ خروجنا من المنطقة يعني أنه يمكن أن نعود ولانجد شيئاً مما تركناه خلفنا».. وهذا ما حدث فعلاً لكثيرين، حيث يؤكِّد أحد الوجهاء: «سُرقت المنازل ونُهبت الأراضي وصارت البيوت محطات استراحة للقاصي والداني.. استُبيحت القرية بشكل كامل، ولكن الأمور الآن على أحسن ما يرام، والناس يعودون بشكل مستمرّ إلينا، والحالة استقرَّت، فالخدمات الصحية والمعيشية بدأت بالعودة والظهور في المنطقة، وعمال النظافة والصيانة الحكوميون يعملون ليل نهار لتأمين البيئة الصحية السليمة والمناسبة لعودة جميع النازحين، وهم يعودون الآن»..
قرى ريف حماة تحتاج إلى الكثير من الخدمات الناقصة، من كهرباء وماء، كما أصبحت بعض بناها التحتية معدومة تماماً، والناس هناك يقومون بإصلاح ما يستطيعون إصلاحه على نفقتهم الشخصية.. أما النازحون إلى دمشق، فالأغلبية الساحقة منهم، ممن قابلناهم، أكَّدوا أنهم يحضِّرون أنفسهم للعودة بعد انتهاء العام الدراسي، وأنَّ ما يُبقيهم في دمشق هو فقط التزامهم بأبنائهم ودراستهم، ولولا ذلك لكانت عودتهم اليوم قبل الغد»..
فوجئنا خلال لقاءاتنا مع النازحين، أنَّ هناك مَن مرَّ في معاناة غريبة من نوعها. تقول إحدى النازحات: «أنا من الناس الذين نزحوا مع بداية الأحداث، وعندما شعرت بأنها هدأت عدت إلى منزلي، ثم نزحت إلى دمشق عندما ساءت الأمور مرة أخرى، وأنا أنتظر بفارغ الصبر العودة إلى منزلي وأهلي وصديقاتي، ولست الوحيدة التي عانيت من هذه الرحلات المكوكية من نزوح وعودة، فأكثر من عشر عائلات أعرفها تمام المعرفة قد كابدت هذه العذابات»..
 
ما لاحظته «بلدنا» في تجوالها في كثير من المناطق المتأزِّمة، كميات التفاؤل الخارجة عن المألوف، فرغم الدمار والموت الذي تنتشر رائحته في كثير من الطرقات، مترافقة مع روائح القمامة التي لم يتمّ جرفها منذ أشهر كثيرة، ما اضطرَّ الأهالي إلى التخلُّص منها بالحرق أو بنقلها بالسيارات إلى أماكن أبعد.. على الرغم من كلِّ هذا، وجد السكان مساحات للفرح، واستطاعوا بناء الحياة من جديد، وتأمين العودة السالمة السليمة لكلِّ مَن يرغب فيها من المواطنين النازحين..