ضفّة النهر في قدسيا من قطع الأشجار لاستثمارها تجارياً إلى ردم الجذور في الأرض لتشييد الأبنية!!

في تاريخ 28/1/2012، نشرت جريدة “بلدنا” تحقيقاً بعنوان “آخر العلاج القطع” حول قيام المتعدّين بقطع الأشجار الحراجية والمثمرة بغرض التدفئة والاتجار بها، وقد عرض التحقيق حينها قضيّة قطع أشجار الحور على طريق قدسيا، وجاء في عرض التحقيق التالي: “في طريق العودة إلى إحدى مناطق ريف دمشق لمقابلة تجار آخرين، صادفنا عملية قطع لأكثر من ألف شجرة حور.

وبسؤال أحد العمال القائمين على القطع، أخبرنا أنَّ صاحب الأرض يريد استثمارها بالزراعة، فهي ستدرُّ عليه المرابح، فأشجار الحور لا تثمر، ولا تغني من جوع، وهي أرض لا تفيد في شيء..

ولدى الاستفسار من أحد المراكز المسؤولة عن تلك المنطقة الحراجية عن الموضوع، وهل هو نظامي، أجاب القائمون عليه: إنَّ الحور من المزروعات التجارية، وإنَّ صاحب الأرض لديه رخصة لقطع ما يزيد على ألف ومئتي شجرة حور، لكن بشرط أن يبقي أصل الجذع في الأرض حتى تنبت الأشجار مرة أخرى، وهذا ينصُّ عليه قانون الحراج..

وبمراجعة قانون الحراج، تبيَّن أنَّ حكم هذه الأرض هو أرض حراج، خاصة أنّه يتوجَّب على صاحب الأرض أن يحصل على الترخيص، وتبيَّن أنه حصل على الترخيص بالفعل، ولكن ما خفي أنَّ تحت الأعشاب التي تركها صاحب الأرض عمداً هناك الكثير من الأشجار التي اقتُلعت من جذورها، وكان المالك قد ترك بعض الأشجار قائمة عند الطريق ليخفيها، وهي أرض لا يوجد فيها أيُّ جذع لأيِّ شجرة، وقد كانت قبل شهرين مليئة بأشجار الحور..”.

وبالتركيز على ردّ الجهات المعنية بأن صاحب الأرض لديه رخصة بقطع واستثمار أكثر من ألف ومئتي شجرة، بشرط الإبقاء على الأصل، علمت “بلدنا”، عبر متابعتها الموضوع، أنّ صاحب هذه الأرض قد أبقى على الجذوع، لكنه بدأ بقطع الأشجار في المنطقة المحاذية للأرض، التي تمّ السؤال عنها آنذاك، ثمّ قام بطمرها تحت أطنان من الأتربة والركام لتسوية أرضه بالشارع العام، دافناً جذوع كلّ الأشجار التي في أرضه، وبالتالي قضى على كلّ احتمالية لنموّ تلك الأشجار وإلى الأبد..

ولدى سؤال بعض من كانوا موجودين هناك، أكدوا أن صاحب الأرض ينوي بناء محلّ لتشحيم وغسل السيارات، بينما قال آخرون إنّه ينوي بناء منتزه أو مطعم على كتف النهر، وقال آخرون إنّ صاحب الأرض يريد بيعها كأرض عقارية لا زراعية، في حين أنّ المعلومات التي حصلت عليها “بلدنا”، في سياق إعداد التحقيق السابق، تؤكد أن الرخصة التي حصل عليها صاحب الأرض لم تكن للبناء، وإنما رخصة لقطع الأشجار بهدف الاتجار بها فقط.

أهالي المنطقة، الذين تقدموا بالشكوى منذ بداية الأمر، أكدوا أن ما يحدث انتهاك لحرمة النهر، وأن هذا يضر بالبيئة وبالمنظر العام، ويقضي على الغابة الوحيدة التي تحيط بالنهر، وتخوّفَ الكثيرون من ماهية البناء الذي سيتم تشييده على هذه الأرض..

ولدى مراجعة “بلدنا” بلديةَ مدينة قدسيا، ومركز الحراج الخاص في ريف دمشق، تبيّن أنه لا علم لديهما بهذه المخالفة، وأنّ الحراج من اختصاص مديرية الحراج التي نفت أن يكون لها علاقة، على لسان موظف طلب عدم كشف اسمه، لكنّه أكّد أنّه طالما أنّ هناك أتربة وردميات تضاف إلى الأرض وتطمر بها، فهذا يعني أن البلدية قد أقحمت في الموضوع، ومن المفروض أنه قد حصل على ترخيص بنقل الأتربة من الجهات المعنية التي لم نستطع الحصول منها على تأكيد أو نفي لهذه العملية التي دفنت تحتها مئات الأشجار الحراجية المحمية بموجب قانون الحراج.

وحاولنا زيارة الموقع، لكنّ أحداً من الحراس في ذلك المكان لم يقبل التحدث إلينا؛ بل عملوا على إبعادنا وتخويفنا بأنه من الأفضل ألا نتحدث عن الموضوع، فكل الأوراق نظامية وصاحب الأرض (واصل)، ومن المؤكد أنه قد حصل على التراخيص اللازمة.. والتساؤل هنا: في حال حصل صاحب الأرض فعلاً على التراخيص اللازمة، وكان عمله نظامياً، فكيف حصل إذاً على موافقة الحراج باستغلال منطقة شجرية، وكيف لم تلحظه الدوريات التي تكلّم عنها مدير دائرة الحراج في التحقيق الذي نشرته “بلدنا”..؟

يقول أحد الموظفين: إذا طرح الموضوع فهناك ألف طريقة سيتمّ التهرّب بها، فإما أن يقولوا إنه قد حصل على التراخيص لزراعة الأرض مرة أخرى، أو لاستغلالها زراعياً، ولكن في جميع الأحوال المخالفة واضحة وجلية، والمخطط هو أن يتمّ ردم قسمي الأرض الشمالي والجنوبي، وتسويتها بالطريق لاستغلالها تجارياً، وبهذا يكون قد تمّ القضاء على أكثر من سبعة دونمات زراعية تقريباً..

ما قمنا به في التحقيق السابق، واليوم، هو متابعة فقط لما قد يحصل عندما تغيب الرقابة عن أعين الجهات المختصة، ويبدأ استغلال فجوات بعض القوانين لمصلحة اختراقها.

كشف المستور.. يصطادون في الماء العكر

يقال لكلّ زمان دولة ورجال.. يبدو أنّ الأزمة الحالية هي زمن القفز فوق القوانين، ورمي التعليمات الحكومية في سلة الإهمال، ورجالاتها المتصيدين في الماء العكر، أولئك الذين يسخّرون الأزمة لمصالحهم الشخصية ضاربين عرض الحائط بكلّ ما سعت الحكومات السابقة لتأمينه وتنظيمه والعمل عليه لحماية المواطن وتأمين البيئة الحضارية والمظهر اللائق بدمشق كأقدم مدينة في العالم.

إذ ينتهك أصحاب المقاهي غير القادرين على استيعاب طمعهم وحبهم للمال، حرمتي القانون والمدينة الحضارية، وينتهكون عذرية الحارات والشوارع وراحة المواطنين في منازلهم، أو يغتالون جمال المشاهد الطبيعية والتراثية في شوارع وحارات دمشق، إذ لم يكتف هؤلاء بالمساحة التي تتضمّنها جدران محالهم؛ بل افترشوا الأرصفة بالطاولات والكراسي، ومنعوا المواطنين من السير عليها، وكأنها خصصت لزيادة أرباحهم.. وأكبر مثال على انتهاكات الأرصفة، ما تشهده المزة في جهتي الأوتستراد والفيلات الشرقية من قبل أحد المقاهي الذي قطع الرصيف بشكل رسمي ليضطر المواطن إلى النزول والسير على الطريق المخصص للسيارات، كمن يسير في مدن متخلّفة لم تنفق يوماً الأموال الطائلة لتوفّر خدمات لائقة بالمواطن وتكون قادرة على حمايته، بل إنّها انتهكت حرمات البيوت بالصخب غير اللائق الذي يثيره الزبائن إلى وقت متأخر.. أمّا في ساروجة، فالمنطقة عبارة عن تجمع مخالفات، وكذلك الأمر في باب توما، ودمشق القديمة، والكثير من المناطق التي تحمل الطابع الشعبي التراثي في غياب شبه تام للرقابة، أو الجولات التفتيشية للمحافظة لضبط المخالفين.. فشارع لايتعدى عرضه المترين يشغل من الطرف الأيسر بطاولات المقاهي، ومن الطرف الأيمن بـ(مناقل) الفحم، فإذا لم يتعثر المارون بالطاولات احترقوا بجمر الأراكيل، وعند الاعتراض، أو التقدّم بشكوى، يشرئبّ أصحاب المحلات وصبيانهم كـ “أبضايات” باب الحارة، ويتوعّدون الناس والجيران بأنّ كلّ من يشتكي سيلاقي مصيراً مشؤوماً، أو لن تعود شكواه بالصدى المطلوب، ملمحين إلى أنّ فلان المتنفّذ يدعمهم في المحافظة وعند الدوائر السياحية ذات الصلة مهما كانت.

والسؤال هنا: هل تتبع المحافظة أسلوباً جديداً في تشجيع الخدمات السياحية والخدمية في دمشق، أو أن الجهات المعنية في المحافظة لا تمتلك القدرة على التكلم أو مواجهة أصحاب هذه المقاهي ومن يدعمهم، وهل إشغال الأرصفة أصبح من قواعد الحياة التجارية في دمشق في حين باتت الأرصفة الفارغة استثناء من تلك القاعدة؟

هل تعتقد الجهات المختصة أنها تقدم خدمة “البسط والفرفشة” للمواطنين المجاورين لهذه المقاهي عبر الأغاني المرتفعة والضجيج، علّها تصم الآذان عن شكاويهم المتكررة بأنّ هذه المقاهي تنتهك هدوء حياتهم في كلّ الأوقات لاسيما في الفترتين المسائية والليلية

كشف المستور… المدارس الخاصة فخٌّ نُصب من سنوات ليحصد الأموال اليوم

عندما تصبح أساسيات الحياة الحضارية، التي يمتلكها الشعب السوري، فخاً تورّط به كلّ من أراد أن يواكب الحضارة، مستنداً إلى أنَّ الجهات الرسمية قد وضعت القوانين القادرة على حمايته من الغش والتلاعب والاحتكار والاستغلال، تصبح عندها القدرة على بناء مستقبل مريح وعملي صعبة جداً.. هذا ما يقوله لسان أهالي الطلاب في المدارس الخاصة، مضيفين: تورطنا عندما وضعنا أبناءنا في المدارس الخاصة.

ففي بداية الأمر كانت الأقساط مريحة، والخدمات بالجملة، والجهات الرسمية تؤكد أنَّ المدارس الخاصة تخضع تماماً إلى الرقابة الحكومية لضمان جودة التعليم وما يرافقها من اهتمام وصحة ونظافة.. أما الآن، فنحن وحدنا نواجه مدارس، علمت أننا لا يمكن أن نسحب أولادنا منها، فبدأت برفع مبالغ الأقساط إلى حدود عالية جداً؛ بحيث لا يمكن لأيّ مواطن التعامل معها أو اعتبارها متماشية مع ما يحدث في البلاد من غلاء فاحش؛ لأنَّ أسعار الأقساط صارت أكثر فحشاً من أسعار المواد الغذائية.

فقد “تفتق” أصحاب إحدى المدارس الخاصة في كفرسوسة عن فكرة زيادة القسط السنوي من نحو 33 ألفاً إلى 55 ألفاً؛ أي بزيادة 70 % تقريباً، دون تضمين النقل بين الأجور. وهذا يعدّه الأهالي ابتزازاً للأهالي والطلاب؛ إذ لا يمكن تغيير مجتمع الطالب بسهولة، ولا يمكن تغيير أساتذته أو حتى الجوّ الذي اعتاد عليه دون التأثير في حالته النفسية وبالتالي إنتاجه الدراسي، ولا يمكن أيضاً أن يتماشى الأهل في مثل هذه الأوقات الصعبة مع هذه الزيادة التي “تقصم الظهر” كما يقولون.

ويوافقهم أهالي مشروع دمر في الشكوى على مدرستين شهيرتين هناك؛ حيث قرَّرت الإدارتان رفع سقف الأقساط إلى حدٍّ غير معقول، لا يمكن لأيّ من المترفين تقبله.. فهل هناك من يستطيع مراقبة هذه المدارس، وهل يستطيع هذا المراقب ضبط الأسعار وإلزام المدارس الخاصة التي رفعت أقساطها بشكل غير مدروس بمراعاة الطلاب والحفاظ على مستقبلهم الذي قد يتعرّض إلى التدمير جراء هذا الجشع.

المثليّون اقتحام عالمهم السري وفكّ شيفراتهم الخاصة

المثليون.. عالم قائم بذاته: لنا مصطلحاتنا وحياتنا و.. “متلي متلك”!!
معصم رخو، وطريقة فريدة في استخدام الأصابع، يجلس ويضم ساقيه إلى بعضهما حتى تتلامس ركبتاه، ثم يقوم بإمالة القدمين معاً جانباً. يحب الثرثرة و(الوشوشة)، خاصةً عندما لا يعجبه كلامك، يرمقك شذراً بنظرات حين لايعجبه كلامك، وأخيراً وليس آخراً كلام (تُمطّّ) فيه كل الأحرف، خاصةً حرف التاء، الذي يُتبع بحرف السين في أي كلمة.

هؤلاء هم المثليون، تجد الواحد منهم في المناطق المزدحمة يصطاد أو ينتظر من يصطاده، في الشعلان وحديقة السبكي، في تفرعات برج الروس وجرمانا وفي دوار المطار، يتجمعون ويتسوقون بروائح نسائية ومشيات غنج تخدع الكثيرين، وبعد وهلة تكتشف أنهم ذكور تخطوا الخامسة والعشرين، تستنكر وجودهم، فينفجر أحدهم في وجهك قائلاً : يحق لي أن أعبر عن رأيي، أنا “مثليّ” وأفتخر، أنا إنسان ولديّ مشاعر، لاأركض وراء اللهو والجنس، بل أخدم المجتمع وأطالبه باحترامي، وفي النهاية الحياة هكذا، فلا أحد يختار أن يكون أسود أو أبيض. باختصار أنا “متلي متلك”..

* دندن
“متلي متلك” هذه العبارة التي انتشرت انتشاراً مفاجئاً وصادماً على صفحات الشبكة العنكبوتية، وصارت تعبيراً عن المثليين في سورية بعد الأزمة، التي منحتهم حرية ماكانوا ليحلموا بها. فالرقابة عليهم لم تعد من الأولويات، والنزوح من المناطق المنكوبة أمّن لهم وسيلة الالتقاء السهلة، وطالما “أننا لا نتعاطى السياسة أو نشارك في المظاهرات، فلا ضير” يقول أحدهم. أضحت طرق التواصل بينهم أسهل خلال الأزمة، فولوج المواقع الجنسية التي تؤمّن اللقاءات الجنسية للمثليين غدت أيسر بكثير مما كانت عليه، والمستهجن، أن موقعاً للتلاقي كان قد منع في أمريكا والصين وأوروبا كلها، قد أصبح الوصول إليه من أسهل الطرق في سورية، وروّاده السوريون تخطوا عتبة المئة ألف مثلي ومثلية، وفي دمشق وحدها يفوق عدد المسجلين في هذا الموقع العشرة آلاف بين ذكر وأنثى جميعهم من الشاذين والمثليين..

ولكن، كيف وصل العدد إلى هذا الحد خلال سنة، مع العلم بأنه لم يكن يتخطى العشرين ألفاً قبل الأزمة، وماذا يفعل هؤلاء من خلال الموقع أو بعد التلاقي، من هم.. وكيف يتواصلون في مجتمعهم السري؟

لم يكن من السهل الحصول على أي معلومات من أي شخص منهم، ولم تنفع طرق التحايل والالتفاف أو حتى الادّعاء بالمثلية، حتى وصلنا إلى “دندن” وهو الاسم الحركي، لشاب في العشرين، كان يقف عند إشارة المرور قرب الشعلان، ورائحة العطر النسائي المثيرة تجبرك على أن تلتفت إلى مصدرها، لتجد شاباً بأحمر شفاه بسيط، وحواجب منسقة، يرتدي قميصاً ضيقاً وسروالاً ضيقاً، لا يمكن ارتداؤه إلا باستخدام الزيت، يمضغ علكة بطريقة مثيرة، وينظر إليك والكحل يظهر بفحش في عينيه، يرمقك بعدساته الصناعية نظرة جانبية، دون أن يلتفت، فإذا أبديت له الإعجاب، فهم عليك ومشى “بغنج” أمامك..

و”دندن” مستعد لفعل أي شيء تطلبه منه، وكل شيء له ثمن، يقول: “أعرف أني جميل ومغر، حتى عندما أسير في الشارع ينظر الشباب إلي بإعجاب أكثر من البنات” من الصعب الدخول معه في حديث جدّي عن الماضي، ولكن المال يفعل كل شيء، قال: “ولدت في عائلة نسائية بامتياز، فأبي طلق أمي وأنا في الثانية ونشأت بين ست فتيات عشت معهن كل تفاصيل حياتهن وكن يلبسنني من ثيابهن ويتحدثن أمامي في كل شيء وكن يجلعنني أتحدث مع أصدقائهن كأني فتاة، وكن يتحدثن عما يعجب الرجال أمامي، حتى أصبحت أهتم بما يريده الرجال، ولكثرة جمالي اغتصبني أحد أبناء الجيران، وصرنا أحباباً، وكنت في الصف السادس يومها، لم أكن أدري ماذا كان يفعل معي، ولكني كنت أذهب إليه كل يوم”.

دندن هذا كان شديد الحرص على عدم إفشاء أي سر من أسرارهم، مهما كان المبلغ كبيراً، ولكن بعد أيام اتصل وأبدى رغبته الشديدة في الكلام، وأفشى كل شيء، لأن أحد أفراد المجموعة التي ينتمي إليها قد خانه مع شخص آخر، ولم تفعل المجموعة أي شيء إزاء هذه الخيانة، فقرّر الانتقام.

يقول دندن: “نحن الشاذين في منطقة الشعلان وباب توما نشكل مجموعة واحدة، ونتخاطب في ما بيننا بلغة هي نفسها التي نتخاطب بها مع أفراد المجموعات الأخرى، وهي واحدة عند معظم المجموعات في دمشق وبعض المحافظات نخرج كل يوم لنتمشى ونتعرف إلى أناس جدد في السوق أو نصطاد الشباب “الحلوين”، هنا توقف دندن عن الكلام، ثم قال “الحلو” يعني أن يكون جسمه جميلاً ومرتباً ونظيفاً وكل فرد من المجموعة له أسلوبه الذي يحبه، فمنّا من يحب الشباب الأقوياء، ومنّا من يحب الكبار في السن (45 سنة فما فوق). أما الشباب فنجدهم في الشعلان وبرج الروس وباب توما، في حين نجد كبار السن مجتمعين في الحديقة المجاورة لفندق (الفور سيزن) ودوار المطار، فإذا وجدناه (نحوم حوله)، ونحاول مصادقته بأي طريقة، فنبدأ إما بالسؤال عن اتجاه معين أو عن الساعة أو عن أي شيء يمكن أن يخلق تواصلاً في ما بيننا، فإذا تحققت الخطوة الأولى، يقول دندن، نبدأ بالاهتمام به ونشتري له الملابس، ونهديه أشياء ثمينة كـ “الموبايل والعطور الثمينة وكل ما ينقصه”، حتى إن أحدهم اشترى سيارة لشخص أحبه وأهداه إياها فقط ليمارس الجنس معه وبعد فترة – يكمل دندن- (نجس نبضه)؛ إذا كان يقبل الشذوذ أو لا ونعمل على إقناعه بأي طريقة حتى لو اضطررنا إلى أن نضعه أمام الأمر الواقع – والأمر الواقع في رأي دندن هو دعوته إلى منزل أحدهم ووضع الحبوب المنوّمة أو المخدرات في الطعام أو الشراب، ثم ممارسة الجنس معه، وتسجيل فيلم له، وتهديده بفضحه. ويكمل دندن : “أسكن في ركن الدين وأشترك مع الجماعة في منزل آخر نذهب إليه للاحتفال، وكل فرد منا يمتلك مفتاحاً”.

* اللغة والمصطلحات:
يقول دندن: نطلق على المجموعة اسم “الأسرة”، وعلى من يصطاد رجلاً جديداً نطلق اسم “الأم”، والضحية اسمه “الابن”، كما نطلق اسم “الست” على الشاب الذي اصطاد “الأم” في مرحلة سابقة..

يسترسل دندن في حديثه، مفنداً كل مصطلحاتهم، ويقول: الشاب الجميل شاذاً كان أم سوياً لا فرق، نطلق عليه اسم “سين”، والشرطة نقول عنها “واوية”، والحب نقول عنه “كشكالوز”. أما إذا رأى شخص من المجموعة شخصاً آخر وأعجبه، فيقول هذا “طلباتي” أو “مطلباني”، ونقول “قضية” عن الرجل السوي كامل الرجولة والقوة، وعن الرجل الغاضب نقول “شخّير”، أما التمشاية بهدف التصيّد في الشعلان وغيرها من المناطق، فنقول عنها (ضجئ)..

ونطلق أسماء البنات على أنفسنا، وعندما نكون في مطعم أو مقهى نسمي المجموعة “جوّ”؛ فإذا أتى شخص من المجموعة مع شخص غريب لا يعرف عنا شيئاً نردّد كلمة “مانو بالجوّ”، ويقال عن الرجل من خارج المجموعة “امرأة” أو “بترا”.

أما الذائقة الجمالية، فنقول عنها “شل”.. وهنا تطوّع دندن وأعطانا مثالاً متكاملاً عن طريقة التكلم: “هل هذا معجبانوا لشلك” أو ” هل هذا مطلبانو لشلك” أي هل أحببت هذا الشخص وهل يحقق رغباتك.

خلال الحديث أتى (خ) وهو كما عرفه دندن عرّاب كل الشاذين في دمشق وريفها، شكله لا ينمّ عن أنه شاذ، ولكن عندما يبدأ بالكلام تبدأ النظرة في التغير.

يقول (خ): نشكّل مدينة متكاملة، هناك البائعون والمحامون والأطباء والممثلون، وكل من يخطر في بالك، وكلنا نتفاهم بهذه اللغة وبإشارات الأيدي أو بالنظر، ونعرف بعضنا بحسب الميول الجنسية، فهناك “البوتوم” وهو المفعول به، وهناك “التوب” ويكون الفاعل، وهو رجل قوي بعضلات دائماً، وهناك “الدبلاية” وهو الشخص الذي يقبل أن يقوم بالدورين؛ الفاعل والمفعول به.

يتابع (خ) وهو شاب في عمر 32 عاماً و”دبلاية”، كما عرّف عن نفسه: نجتمع في بيت أحدهم ونرتدي الألبسة الداخلية النسائية ونضع المكياج، ونبدأ الاحتفال والشرب والجنس ونرحب بالأشخاص الجدد، ثم نتكلم عما يحدث معنا خلال اليوم وأحاديث نسائية عن الموضة والألوان الدارجة، وعن الـ”النونشة” وهو مصطلح يستخدم عندما يسرق أحدهم شريك الآخر، ويقال عنه “فلان نونش علان” أي أن فلاناً سرق صديق علان، وهنا كما يقول (خ) تكمن المصيبة، ويبدأ الانتقام، إما بنشر الصور على الشبكة العنكبوتية، أو بإخبار الأهل بأن ابنهم شاذ، أو بإخبار الأمن. ولكن، حالياً نحن آخر اهتمامات الأمن، فلديهم أولويات، ونحن نصول ونجول، ويضحك بمكر.

يقاطعه دندن: هناك ألفاظ كثيرة مثل أن يقول أحدهم “شلو سين وهو مطبخ شيت شلو” أي (إن من معه جميل جداً ولكنه سوي وهو يعمل على إقناعه)، أو أن يقول “شلو ستريت بس مسهلان مفوتان بالجوان” أي (إن صديقه سوي ولكن إقناعه بالشذوذ سهل جداً)، يسكته (خ) قائلاً: اللغة طويلة جداً، ولكن هذا أهم شيء فيها” ويضيف: نحن نتعامل مع عارضي أزياء في أوروبا ومع كثير من الأغنياء في الخليج، وكتجارة الشذوذ للرجل أكثر ربحاً من عمل بائعات الهوى. وانتهى الحديث مع الشابين بسؤال ( خ ) فيما إذا كان ملعب مثل العباسيين مليئاً بالرجال، فبحسب خبرته، كم رجلاً منهم يمارس الشذوذ، فأجاب بحسب خبرتي التي تتخطى الـ 17 عاماً، أقول: إن ثلث الملعب سيكون ميّالاً أو ممارساً للشذوذ، وأضاف بكل ثقة موافقاً كلام زميله “كنا قبل الأزمة أولوية لرجال الأمن ورجال الدين. أما الآن، فنحن آخر ما يفكرون فيه”.

* الشذوذ المستورد:
(ن) طبيب أسنان تخصص في روسيا، عانى الأمرين بعد أن عاد من هناك، يقول: كنت إنساناً عادياً أنجذب إلى الفتيات في الجامعة و”كل شي تمام”، سافرت إلى روسيا (الاتحاد السوفييتي سابقاً) لأتخصص، وهناك أقمت مع أحد الأصدقاء في منزله، وفي إحدى السهرات اجتمع الشباب وسكرنا، ثم أغلقوا الباب وتوالوا على اغتصابي وكانوا خمسة.

في المرة الأولى أو لنقل مع الرجل الأول، كان هناك شعور يدمرني كرجل، ولكن المتعة كانت أقوى وعرفت ما كان ينقصني، فصرت أستقبل الشباب جميعاً، ثم أدركت أنها تجارة وكنت أدرس وأعمل مع شباب وأتلقّى المال. يتابع: عندما عدت إلى سورية، وهنا تجهّم وجهه وتردد كثيراً، شعرت بأني نكرة، لم أخبر أحداً حتى تعرفت إلى أحد المعيدين في إحدى الكليات، وكان ( موجباً) أي يحب أن يؤدي دور الرجل في العلاقة الشاذة، فأحبني جداً والتزمنا بالعلاقة مع بعضنا إلى أن قابل شاباً أصغر مني وطردني، وبعد فترة قرر أهلي أني جاهز للزواج، ولم تفلح محاولات الهروب والتهرب، وتزوجت، واضطررت إلى أخذ المقويات الجنسية، دام زواجي سنة ونصف السنة، إلى أن اكتشفت زوجتي الأمر، فتم الطلاق. أنا لا أشعر أبداً بالانجذاب إلى النساء، ولا أحب أن أكون فاعلاً، ولا أحب التشبه بالنساء أبداً، ولكن هذا الأمر يجعلني مرتاحاً، فهناك شباب يشعرون في داخلهم أنهم يجب أن يكونوا إناثاً ليقوموا بما يخدم هذا الإحساس ويبنوا حياتهم عليه، وهناك الكثير ممن أعرفهم يحبون كونهم رجالاً، ولكن لا يستمتعون إلا بالطريقة الشاذة المخالفة للطبيعة (كما يصفها المجتمع )

* الشذوذ بين النساء أعظم “وأدق رقبة”:
لن يكون الحديث عن الشذوذ مكتملاً دون أخذ الحالة بين النساء في الاعتبار، والحصول على حديث معهن كان أسهل بكثير من التحدث إلى الشباب، من خلال البحث على مواقع الإنترنت، وافقت كل من دانا وجمان وإنعام، وهذه أسماؤهن الحقيقية، على الحديث شريطة أن تُطرح قصتهن كمشكلة لا كقضية للسخرية أو التشهير..

تقول إنعام: نلتقي نحن الثلاث، بعد العمل مباشرة، ونذهب إلى شقة استأجرناها سراً، الغوّاصة هي المتزوجة (دانا) وهي من تقود العملية كلها، نمضي مع بعضنا ساعتين ثم نذهب إلى منازلنا، زوج دانا يعلم أن دانا مع صديقاتها وهو غيور جداً، وفي بعض الأحيان يتصل ويشك في أمر زوجته، فتعطي دانا السماعة إلى صديقتها ليصدق أنها لا تخونه مع رجل آخر.

تقول دانا “لو كان متفهماً أو لو لمست منه أي فرصة لأن يستوعب وضعي لكنت أخبرته وساعدني على حل الموضوع، ولكنه دائماً يكون عصبياً وسريع الاستفزاز، فأتراجع” تسكت دانا قليلاً، تسكب القهوة، ثم تكمل: “تعرفت إلى باقي الصبايا على أحد مواقع المحادثة العادية على الإنترنت، وكنت أبحث عن فتاة مثلي، لم أكن أعرف أين أبحث، فتعلمت كلمة من أحد المواقع وصرت أرسلها مراراً، حتى تواصلت جمان معي، وكانت قد فهمت الكلمة ثم تعرفنا إلى إنعام.

كنا نجتمع في منزل إحدانا حتى بدأت الأزمة، عندها أصبح استئجار منزل في أي منطقة سهلاً دون التعرض إلى أسئلة كثيرة وحتى دون تسجيل العقد في البلدية، لأننا نساء. كنا نخاف من أن نثير شبهة بعضهم، فيطلبون شرطة الآداب. أما الآن، فلا أحد يكترث لأحد.

وتشرح دانا: معاناتنا سببها أننا لم نجد من يدلنا إلى الطريق الصحيح، وأنا تأخرت في الزواج والهرمونات الجنسية لا ترحم، كنت في المراهقة أخشى أن أقيم علاقة مع شاب، فأفقد عذريتي، لذلك صرت أدرب نفسي على تخيل الفتيات منذ كنت في الصف التاسع، وفي الصف الحادي عشر التقيت مع فتاة في حمامات المدرسة، ومنذ ذلك الوقت وأنا أشتهي النساء دون الرجال”.

تكمل دانا: “تزوجت فقط لأسباب اجتماعية، فحياتي مع زوجي كالجحيم بالنسبة إلي. أما زوجي، فلا يشعر بذلك، أنا أستطيع التمثيل، ولكني لا أستطيع الصبر حتى تأتي نهاية الدوام وأعود مع الصبايا إلى المنزل لنقضي ساعتين وننصرف”.

أنهت دانا قصتها لتعطي الدور إلى جمان التي أوضحت بكل ثقة أنها جزء من عش (مجموعة من الفتيات الشاذات) ولنا لغتنا الخاصة، فنحن ننادي الفتاة الجميلة الجديدة على العش بـ”شختورة”.

أما التي تقوم بدور الرجل إذا كانت عصبية وتحب الضرب “البوية” وإذا كانت رومانسية وهادئة ندعوها “عكيدة”، وهناك حالات نقول فيها “راحت على روسيا” أو “عم تاكل تفاح أحمر” في حال كانت الفتاة لا تستطيع الحضور لأسباب مرضية تعرفها الفتيات.

أما البنت التي تحب الشباب والبنات معاً فنناديها “غوّاصة” أو “حالوشة”، ونحن الآن نجتمع مع بعضنا بشكل مكثف، كنا قبل الأزمة نخشى كثيراً من الفتيات اللواتي يمثلن الشذوذ لئلا يعرفن تصرفاتنا ويبلغن الأمن عنا (ياما كابس علينا الأمن في حفلاتنا) وكنا “نتبهدل”.

أما الآن، فحفلاتنا على يومين في الأسبوع، وقد زاد عددنا إلى الضعفين تقريباً؛ فالرقابة على الإنترنت وعلى البيوت والحفلات تضاءلت بشكل كبير، ونلتقي على الإنترنت غالباً وفي نوادي الرياضة وصالونات التزيين، ولا نجد أي حرج في التعبير عن ميولنا أو التلميح إليها ببعض الملامسات واللعب بالشعر وإبداء الإعجاب برائحة العطر، والتجاوب مع هذه الحركات، يكون مفتاحاً لبداية هذه العلاقة.

ومفتاح بدء العلاقة لدى جمان أوصلنا إلى سماح، وهي في الخامسة والعشرين متخرجة حديثاً في قسم الترجمة، ناقمة على المجتمع الذكوري، خاصةً في الأزمة التي “استغلها الرجال لمد سلطتهم على أساس القوة والانتماء إلى الأقوياء” تقول سماح التي تعتبر الرجال مرضى نفسيين بما يسمى عقدة الشرف، وتحكي قصتها بهدوء وثقة: كنت ألتقي أنا وصديقاتي كل يومين تقريباً، وكنت على علاقة حب كاملة مع إحداهن، وذهبنا إلى إحدى الدول الأوروبية، وتزوجنا هناك زواج المثليين، وعدنا.

بعد فترة اختلفنا فاتصلت بأهلي وأخبرتهم بالقصة، فما كان من أبي إلا أن منعني من زيارة صديقاتي في منازلهن، وأعلم أن أبي قمة في الرجولة والغيرة، وأعلم تماما أنه “لو شم ريحة علاقة” بيني وبين شاب لعلّق مشنقتي وقتلني، ولكن بما أنها مع امرأة فهذا لا دخل له بالشرف، ولا يؤذي الشرف في رأيه “

* في المسيحية: الجنس للإنجاب والاتحاد:
رجال الدين نأوا بأنفسهم عن الحديث في مثل هذه المواضيع، تذرعاً بأن هناك أزمة تعصف بسورية، وهناك مواضيع أهم للحديث عنها. لكنهم صعقوا عندما عرفوا الأرقام المتزايدة، فانطلق لسان بعضهم وانعقد لسان آخرين كثر.

أما من انطلقت ألسنتهم، فقد اشترطوا ألا تذكر أسماؤهم في تحقيق كهذا، وهذا ما يفجع أكثر؛ فالأزمة منعتهم من الحديث عن مثل هذه القصص التي تعتبر في رأيهم جانبية، وبالتالي عندما يختفي النور سينتشر الظلام، فكما تقول الحكمة “يبقى الشر نائماً طالما الخير يعمل، فإذا نام انتشر الشر بقوة وسرعة”..

أحد رجال الدين المسيحي اختار إرسال نص بالبريد الالكتروني يحتوي على القواعد والقوانين المسيحية في ما يخص هذا الموضوع، وطلب عدم ذكر اسمه ولا حتى الإشارة إليه، وجاء في النص المرسل “أصدرت الكنيسة الروسية في مجمّعها الموسع عام 2000 عدداً من الوثائق التي تحدد علاقة الكنيسة بالمجتمع، وقد أدانت في إحداها اعتبار الشذوذ الجنسي مجرد ميل، وبالتالي رفضت إعطاءه الاحترام والحقوق التي لغيره.

كما أكدت الكنيسة على مسؤوليتها في رعاية الأشخاص وطالبت بمنع مَن يثبت شذوذه من ممارسة بعض الوظائف كالتعليم في المدارس أو المسؤولية في السجون أو الجيش” لكنه، أي النص المرسل، لم يكن كافياً فاضطررنا إلى البحث بأنفسنا في كتب الدين المسيحي لنجد مالم يتطرق إليه النص المرسل، فقد حدّد التعليم الكنسي الشذوذ الجنسي كـ “اللواط” والذي يعني العلائق بين رجال أو نساء يحسّون انجذاباً جنسياً، حصرياً أو غالباً، إلى أشخاص من الجنس نفسه.

وله أشكال متنوعة جداً على مدى العصور والثقافات. تكوينه النفسي لا يزال في معظمه غير واضح. والتقليد، استناداً إلى الكتاب المقدس الذي يعتبره بمثابة فسادٍ خطر، أعلن دائماً أنّ “الأفعال اللواطية هي منحرفة في حد ذاتها”. “إنها تتعارض والشريعة الطبيعية.

إنها تغلق الفعل الجنسي على عطاء الحياة؛ فهي لا تتأتى من تكامل حقيقي في الحب والجنس، ولا يمكن الموافقة عليها في أي حال من الأحوال.

” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية عدد 2357 ) وفي العدد (2351 ) جاء في النص “الفجور رغبة منحرفة في اللذة الجنسية، أو تمتع بها مخل بالنظام الأخلاقي.

واللذة الجنسية تكون منحرفة من الوجهة الأخلاقية عندما تُقصد لذاتها، معزولة عن غايتي الإنجاب والاتحاد.

” أما العدد (2359 ) من التعليم نفسه، فقد أوضح أن “الأشخاص اللواطيين مدعوون إلى الطهارة، وهم قادرون على التقرب تدريجياً وبعزم إلى الكمال المسيحي، وملزمون بذلك، مستعينين بفضائل السيطرة على الذات التي تربّي على الحرية الداخلية، وأحياناً بمساعدة صداقة نزيهة، وبالصلاة والنعمة الأسرارية”.  الموقف الكنسي الواضح من الشذوذ، من الواضح أنه يجرّمه بكافة أشكاله.

* في الإسلام: الشذوذ مصدر كل بلاء..
الدين الإسلامي جاء موافقاً للدين المسيحي في الموقف، وليس في التعاون. فخلال التحقيق حذا رجال الدين الإسلامي حذواً أكاديمياً في عدم الإجابة عن عناوين كهذه (الشذوذ) تذرعاً بالأزمة، فكلما طلبنا من شيخ التحدث رفض، بحجة أن للفتوى مكاناً مخصصاً في وزارة الأوقاف، وأنهم قد منعوا من الفتوى الرسمية. أما في وزارة الأوقاف، ففشلنا على مدار ثلاثة أيام في الوصول إلى أحد المفتين وقمنا بالتالي بالبحث في كتب الفقه الإسلامي، وخلصنا بالشواهد( بإشراف خطيب أحد المساجد في دمشق) إلى التالي: جاء في الدين الإسلامي، أن كل شذوذ هو عمل قوم لوط الذين خسف الله بهم القرى وجعل عاليها أسفلها وأمطر عليهم حجارة من سجيل، وسماهم القرآن الكريم “ظلمة” ظلموا أنفسهم، وظلموا الإنسانية بأعمالهم الشنيعة. وفي أحاديث الرسول الكريم، ورد أنه قال “ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم ولاظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت” رواه الترمذي بسند صحيح.

وقال “إذا استحلت أمتي خمساً، فعليهم الدمار: (إذا ظهر التلاعن )… حتى يقول “واكتفى الرجال بالرجال واكتفى النساء بالنساء” وقال صلى الله عليه وسلم “ثلاثة لا تقبل لهم شهادة لا إله إلا الله: الراكب والمركوب والراكبة والمركوبة”.. إلى آخر الحديث ( رواه أبو هريرة و النسائي..)

وتلخص كتب الفقه والإرشاد الإسلامي مضار الشذوذ بأنه جناية على الفطرة البشرية السليمة ومفسدة للشباب بالإسراف في الشهوة، لأنه ينال بسهولة، ومحرّم لأنه من أسباب قلة النسل وسبب إفساد الحياة الزوجية ويخلّف أمراضاً صعبة الشفاء كالزهري والسيلان.. وما إلى هنالك من أمراض لا سبيل إلى ذكرها..

* القانون السوري وعقوبة الشذوذ:
المحامي حسن، بيّن رأي القانون بقوله: لم يتم تخصيص قانون للشاذين، إنما تندرج المثلية تحت قانون يعاقب الشاذين جنسياً، حيث يقضي القانون على من يقوم بفعل اللواط من سنة إلى ثلاث سنوات. والمحامي حسن لم يكن مع فكرة أن يعتبر الشذوذ جريمة، وأن يحاسب الشاذون كمجرمين، بل كمرضى يجب علاجهم، مضيفاً: كون الأديان السماوية تحرّم هذا الفعل، فهذا لا يعني نبذهم والعمل على إقصائهم والقضاء عليهم، بل يجب احتضانهم ومساعدتهم وعلاجهم وإيجاد الحلول الناجعة لهم وللمجتمع”.

المحامي خالد كان أكثر صرامة في موقفه، حيث قال: الشذوذ في مجتمعنا لن يجد إلا الاستهجان والازدراء من جميع أطياف الناس، لأن من يقومون به يخالفون الفطرة السليمة” خالد فصّل بعض المصطلحات التي يجب على الجميع التعرف إليها نظرياً حسبما قال “في القانون المساحقة هي حالة شذوذ جنسي بين امرأتين، وإذا وقع هذا الفعل بالقوة أو التهديد، يعاقب عليه ضمن جرائم الفحشاء في متن المادة /493 / من قانون العقوبات السوري.

أما بالنسبة إلى اللواط، فقال خالد: “اللواط شكل من أشكال الشذوذ وهي المواقعة من الخلف وهو ضرب من ضروب الفحشاء ويعاقب عليه القانون حسب المادة / 493/ وما يليها من قانون العقوبات السوري”.

وأضاف خالد: اللواط كالمساحقة فكلاهما يجسّد مسعى اللواطي أو السحاقية إلى بلوغ اللذة الجنسية بشكل يخالف ما فطر عليه الإنسان”.

محام من مدينة حلب، يعمل في دمشق رفض ذكر اسمه، اعتبر أن السجون هي البيئة المثالية لنشوء الشذوذ في العالم أجمع وليس في سورية فقط، والفرق أن دول العالم المتحضر تسعى لمنع هذه الظاهرة. أما في سورية، فلا شيء يذكر، ويدلل هذا المحامي على فكرته بقوله: إذا حكم على اثنين بجرم اللواط يتم وضعهما معاً في ( قاووش واحد ) وفي الإصلاحيات لا يفرق في الجرم؛ فالكل مع بعضهم ولا أحد يراقب أحداً في الليل، ويضيف: أخبرني أحد الأحداث، وكنت قد وكلت للدفاع عنه، أنه كان يسمع الأصوات وأحياناً البكاء وكلمات لا يحتملها إنسان عاقل، عندما تطفأ الأنوار ويحين وقت النوم، وأنهم كانوا يصمتون عند مرور الشرطي أو دورية التفتيش، وهذا خاطئ تماماً، بل ويعد جريمة بحق الطفولة؛ فإذا لم يمارس الطفل الحدث في الإصلاحية يكون قد تعلم كل شيء عن هذه المسائل وبالتالي لا فائدة من اعتباره تحت السن القانونية..

يسترسل المحامي قائلاً: هذا الطفل وهو في عمر تسع سنوات، أخبرني عن قصص وأساليب في ممارسة الجنس لم أكن أعرفها قبل أن أتزوج، مع العلم أني قد تزوجت في الثلاثين.

أما الطفل، فقد تعرض للاغتصاب خمس مرات قبل أن ينهار نفسياً ويزج به في مستشفى نفسي (نتحفظ على اسم ومكان الإصلاحية، فليس بالضرورة أن تكون في دمشق أو حلب).

* عزوف عن الزواج في أروقة القصر العدلي:
يقول أحد كتاب العدل في القصر العدلي “الأمر أكثر من واضح، عدد المتزوجين انخفض أكثر من الثلث خلال أشهر الأزمة، وحالات الطلاق في ازدياد، وهذا لا يدل على خير أبداً. الأزمة أثرت كثيراً، فبعد خمسة أو ستة أشهر، لاحظت أن عدد المتقدمين إلى عقد القران قد انخفض بشكل جعلني أشك في أن من يدعون إلى الإضراب قد شملوا الزواج أيضاً”. ضحك ثم قال “طالما في بديل ما عاد حدا بدو الأصيل” في إشارة إلى الشذوذ..

لن نكون كالباقين في جعل الأزمة شماعة نعلّق عليها كل الأخطاء التي سبقتها، والتي لم يتم تداركها قبل أو خلال الأزمة. ولكن، كما يقول المثل الإنكليزي المصائب نادراً ما تأتي فرادى، فإذا لم نعمل على حلها كنا كمن يريد أن يقود ألف حصان بيد واحدة، والشذوذ حصان يمتطيه المستفيدون، والأزمة هي المخدع الذي ينامون فيه، ويحققون أرباحهم ومبتغاهم وسعيهم دائماً لإبقاء الخلل قائماً حتى يستطيعوا العبث كما يشاؤون.

إن ما هدم الأمم التي ذكرت في الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي (قوم لوط) هو عملهم الشائن، علماً بأن مثل هذه الأمم قد ذكرت في أساطير أخرى غير الأديان السماوية، ما يدل على أن كل ما هو مخالف للطبيعة ستفنيه قواها، وتقضي عليه، وهذا قد يكون سبب الأزمة في سورية، فالقطرة تدل على القطير.

وإذا كان هناك من يتساءل عن سرعة التفكك في المجتمع السوري خلال الأزمة، فلينظر إلى الجراثيم الاجتماعية الحقيقية التي فتكت واستوطنت في مجتمعنا، فكانت جاهزة لتضربه عندما ضعفت مناعته ولو قليلاً..

الشواذ من أين؟!
في إحصاء قامت به “بلدنا”، تبين أنه من بين خمسين حالة (ذكور) التقتهم في سياق هذا التحقيق، كان هناك 26 شخصاً قد تعرضوا للاغتصاب قبل إنهاء المرحلة الابتدائية من أقارب أو من الجوار، و 10 منهم كانوا ضحايا العيش في منزل تحت سطوة الأم، وفيه أكثر من ثلاث بنات يكبرن الشخص بفارق كبير والـ 14 الباقون قالوا إنهم ولدوا من الداخل إناثاً بأجساد رجال..

أما الفتيات، فمن بين 23 فتاة قابلتهم “بلدنا”، كان هنالك 18 حالة تعلمت السحاق في المدارس، وخمس حالات اغتصاب من المحارم، تقول جوليا : “أقرف من الرجل وشكله، وكلما أتخيل نفسي مع رجل أشعر برغبة في التقيؤ. زرت أكثر من عشر عيادات نفسية بين سورية ولبنان، لكن دون جدوى، حاولت أن أقيم علاقات مع رجال، لكن لم أستطع أن أكمل واحدة إلى النهاية؛ فصورة أبي وهو عار عندما كان يغتصبني تحضر مباشرة وأتحول إلى بؤرة من القرف والرفض والبرود”.

* علم الاجتماع كان له بصمة:
سلمى رشواني الحائزة دبلوماً في الإرشاد الاجتماعي، عملت خلال الدبلوم على دراسة الشذوذ الجنسي وخرجت بكتاب من 134 صفحة في العام 2008. أما اليوم وعند لقائها أكدت أن الأمور تزداد سوءاً، وأنّ ظاهرة الشذوذ تنتشر مثل النار في الهشيم، خاصةً خلال الأزمة، التي سمحت، على حد قولها، نفسياً لكثيرين بالإفصاح عن أنفسهم، خاصةً على المواقع التي تتيح لهم هذه التصرفات واللقاءات.

فخلال عملها كانت تبحث عن الشاذين للحديث معهم بـ( السراج والفتيلة) أما اليوم، فتقول سلمى، “يمكن لأي شخص رؤيتهم في كل مكان وهذا ما يدهشها”.

في كتابها تنوه سلمى إلى أن أسباب ظاهرة الشذوذ متنوعة ومتشابكة وكثيرة جداً، وكل من هذه الأسباب يؤثر في السبب الآخر، لتتضافر جميعاً، وتشكل الشذوذ.

وتقول تبيّن خلال دراستي للمجتمع في دمشق أن الذكور قد تأثروا بشكل كبير بالمحطات الفضائية والإنترنت والإناث أيضاً، ولكن انتشار الشذوذ بين الفتيات أكبر، لأن الاعتبارات النفسية والتربوية تجعل من الرجل الذي يكون مفعولاً به منحطاً.

أما النساء، فلا يحكم عليهن أحد مهما تصرفن مع بعضهن” وتضيف ” المسؤول عن انتشار هذه الظاهرة بهذا الشكل الهستيري خلال الأزمة هو الهجرة الداخلية التي سمحت للشاذين بالتعرف إلى بعضهم، وفشل العلاقات العاطفية التي كان سببها التحزبات، والعزوبية القسرية التي زاد تأثيرها بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار خلال الأزمة، وعزوف الجميع عن الزواج في هذه الظروف، والأهم هو السجون التي باتت تعجّ بالموقوفين والمعرّضين لكافة أشكال التحرشات داخل الزنزانات”

الباحثة رشواني، أشارت إلى أن أحد المسلسلات السورية الذي يتحدث عن مجموعة من النساء يقطنّ مع بعضهن قد أعطى إيحاءات كبيرة حول علاقات أنثوية غير موجودة في سورية، خاصة في جزئه الثاني، حيث قاموا بإضافة فتاة متشبهة بالشباب والـ”زكرتية” وهذه الشخصية تماماً كشخصية الفتاة السحاقية في الواقع.

أبدت الباحثة الاجتماعية في نهاية اللقاء استياءً كبيراً من الوضع الذي آلت إليه الرابطة الاجتماعية في معظم المناطق السورية، ولم تظهر أي نوع من التفاؤل إزاء المستقبل