عودة النازحين إلى منازلهم

“إصلاح بعضها خير من البدء من جديد.. وخوفنا الوحيد أن نكون دروعاً بشرية “
في غمرة الصراع الدائر بين سياسات لا علم للعامة بها، تنهمر دموع هؤلاء على مستقبل ضائع، أو على حب تاهت أماكن ذكرياته، أو على منزل حملت جدرانه آلاف الصور الذهنية عن اجتماع العائلة ومشكلاتها وابتساماتها، وعن أفراحها وأحزانها. في غمرة هذا الصراع، وبين مسيلات تلك الدموع، ضاعت آمال كثير من أهالي المناطق المنكوبة في العودة إلى منازلهم؛
إلى المكان الذي يحمل ما يحمل من حبّهم وأملهم ومستقبلهم، بعد أن وجدوا أنفسهم، بين رصاصة وصوتها، نازحين إلى مناطق لايعرفون عنها الكثير، ويرتمون بين أمواج تنقَّلت بين الاستغلال والاحتضان.
انتشرت، عبر صفحات التواصل الاجتماعي، دعوات كثيرة إلى مَن غادروا منازلهم ومناطقهم، للعودة إليها.. دعوات مطمئنة في أغلبها، لكن ردَّ الفعل اتجاهها كان بارداً جداً من قبل بعض النازحين، وقوبلت بالاستجابة السريعة من قبل بعضهم الآخر..
دخلت بلدنا إلى مناطق الأزمات، وإلى المناطق التي انتشر فيها النازحون.
 
¶ في حمص عودة خجولة.. وقلة في الخدمات 
في منطقة الحميدية وما حولها (بستان الديوان، الورشة…) كان حجم الدمار يرقى لندعوه منطقة منكوبة، فالصراع هناك على أشدّه، والمعارك تهدأ حيناً وتشتدُّ حيناً آخر. ولكن، على الرغم من هذا، كان هناك ما يزيد على 350 عائلة أبت أن تترك مسكنها وأحلامها، ورفضت الاستسلام لفكرة أنَّ الدمار أبديّ، وأنَّ ما يحدث هناك سيستمرُّ إلى ما لانهاية، والجميع كانوا متفائلين. يقول أحد أفراد أسرة تقطن هناك: «نعلم تمام العلم أنَّ الوجود هنا خطر على أرواحنا، ولكننا مفعمون بالتفاؤل بأنَّ الأمور ستستقرّ، وأنَّ كلَّ شيء سيكون على ما يرام.. نشعر بأنَّ المستقبل سيكون أفضل، وأنَّ الأمور ستُحلُّ بطريقة سليمة وبفاعلية تضمن سلامتنا جميعاً».. ويكمل، وهو شاب في العشرينات: «أنا طالب في الجامعة. طبعاً خسرت ما خسرت من الوقت والفرص في الدراسة، وكان يمكنني أن أترك أهلي هنا وأرحل إلى دمشق أو حلب لأكمل دراستي هناك، ولكنني آثرت البقاء هنا، لأعيلهم في حال وقع أيّ مكروه». ويشرح الشاب: «لقد كان البناء الذي نسكنه يعجُّ بالسكان، والجميع تقريباً فرُّوا بأرواحهم خوفاً إما على أطفالهم وإما على كلِّ شيء.. أما الآن، فنحيا بسلام مع وقف التنفيذ.. الطعام متوافر، والخدمات جميعها متوافرة، ولانخشى شيئاً هنا سوى الوقت الذي يقع خلاله سوء التفاهم بين الأطراف، ويصبح الرصاص سيّد الموقف، لكننا اعتدنا على هذا».
 الخدمات التي ذكرها الشاب كانت متوافرة بالفعل؛ من تيار كهربائي وماء، ودواء، وكذلك الخضار والمواد الغذائية، ولكن بأوقات محدَّدة، كما تقول إحدى السيدات، التي تعمل على خدمة المواطنين الذين لم ينزحوا، وتوزِّع عليهم حصص المعونات المتوافرة، التي تقدِّمها غالباً منظمة الهلال الأحمر السوري. وتضيف السيدة: «لاأستطيع المغادرة وترك العائلات من دون مساعدة، ولاأستطيع هجرة منزلي وكلّ ذكرياتي، يكفي ما لقيته من حزن حين بدأ السكان بالنزوح خوفاً، وطلباً للأمان».. وتحدَّث السكان كيف أنَّ هذه السيدة تقوم بالتنسيق مع كلِّ مَن يستطيع تقديم المعونات للسكان، ومن ثم توزيع هذه المساعدات على الأهالي.. وتتضمَّن هذه المساعدات: الأدوية، والطعام، وبعض الحاجيات الخاصة التي لايمكن أن توجد بكثرة في تلك المناطق في هذه الظروف.
وعن عودة النازحين قالت: «كلّ يوم هناك عودة للنازحين، منهم مَن يختار الرجوع والبقاء هنا، ومنهم مَن يأتي ليأخذ أثاث المنزل ويستقرَّ في محافظة أخرى»..
إحدى العائلات، التي كانت تنقل أثاث منزلها، أبدت استياءها من الوجود في المنطقة. يقول ربّ العائلة: «رحلت أنا وعائلتي بسبب الدمار والمعارك، ولن أغامر بحياة أحد منهم، استأجرت منزلاً فارغاً، وأنا الآن أنقل أثاث المنزل إليه، وطبعاً هذا لايفرحني، ولكن ليس هناك حلٌّ آخر أمامي، وكنت أتمنَّى لو أنَّ عندي الجرأة التي لدى الأسر الباقية لأبقى»..
يخالفه الرأي ربّ أسرة آخر بقوله: «عدت مع عائلتي بعد أن استقرَّت الأوضاع قليلاً في هذه المنطقة، كنت أتخيَّل أنَّ الموقف، حين عودتي، سيكون خطراً، وأن نكون في خطر دائم، ولكن الآن تغيَّر الوضع على ما أعتقد، والهدوء النسبي عاد.. أما الخدمات، فهي متوافرة هنا، حتى خدمات الإنترنت أصبحت متوافرة في بعض المناطق، والتغطية الخاصة بالخليوي متوافرة.. الإزعاج الوحيد هو صوت الرصاص في الليل، وهذا يمكن التعوُّد عليه». وختم بطريقة التسليم بالأمر: «سعرنا بسعر غيرنا»..
 
¶ عودوا إلينا فنحن ننتظركم
في فسحة هادئة خضراء، تجمَّع كلُّ مَن يرغب في الارتياح من المناظر المثيرة للحزن في شوارع (الحميدية وبستان الديوان).. هذه الفسحة في مدرسة الآباء اليسوعيين، هي أقرب إلى أن تكون قطعة من التكية السليمانية في دمشق؛ بظلّها وهدوئها وحميميتها.. يجتمع فيها السكان والشباب لتدارس أحوال أهل الحي، وتنظيم توزيع المساعدات على السكان، وتأمين طريق العودة للنازحين، ومساعدة الخارجين من المنطقة في وضع أثاثهم في الشاحنات.. في هذا الجو، التقينا الأب ميشيل نعمان أشمندريت، في مطرانية السريان الكاثوليك، المعروفة باسم «الروح القدس»، وهو من أصحاب الأيادي البيضاء، الذين قاموا بتقديم المساعدات الكثيرة التي شهد له بها أهل المناطق المحيطة بمكان عمله. شرح الأب: «النقص في الخدمات والأمان ليس بسبب الأحداث فقط، بل بسبب السكان الذين تركوا أعمالهم وأشغالهم ونزحوا، فالدكاكين مغلقة تماماً، والأسواق فرغت لأنهم رحلوا». وبيَّن الأب ميشيل المصاعب التي حدثت وجعلت 99 % من السكان ينزحون، وكيف سبَّب هذا الأمر ضرراً في البنية الاجتماعية والصحية في البلاد. يقول: «نحن نعيش هنا في خطر، ولكن هذا الخطر كان ليكون أقل لو أنهم لم يرحلوا. نحن بصفتنا مسؤولين ووجهاء، لدينا القدرة على التعامل مع جميع الأطراف ليكونوا حريصين على أرواح الناس هنا»..
عن سبب هذا الفراغ المفاجئ في المنطقة، قال: «كثير من السكان رحلوا، وصار الجميع يخشى على نفسه، خاصة أنَّ أسرة- أو أسرتين- في بناء من خمس طوابق لن تستطيع البقاء، وأبنية كاملة قد فرغت، فمن كان يفضِّل البقاء وجد نفسه وحيداً هنا فاضطرَّ إلى الرحيل، ما أدَّى إلى اتِّساع دائرة المعارك، لخلوّ الشوارع والأبنية».. ويضيف: «هناك مَن يعود، ولكنه يخشى من عدم توافر الاستقرار.. نعمل على زيادة أعداد القادمين والعائدين بكلِّ ما نستطيع.. أنا شخصياً أعمل مع جميع الأطراف هنا لمنع وصول الرصاص إلى المناطق المأهولة حالياً، ونحن ننجح، لأنَّ الأطراف متعاونة بشكل يدعو إلى التفاؤل.. مَن سيعود لن يجد المنطقة كما اعتاد عليها، ولكنه سيسهم في بنائها مرة أخرى.. أنا أحبُّ أهل المنطقة جميعهم، وأريدهم أن يستذكروا المنطقة في أوقات السلم والهناء، وأن يعودوا إليها، لتدبَّ الحياة فيها مرة أخرى.. نحن هنا بحاجة إلى الجميع، فمَن يستطيع العودة يجب أن يعود».. ويؤكِّد الأب أنه لايفرض العودة على أحد، ولكنه مستعدٌّ لتقديم المساعدة في أيِّ وقت، فكثيرون يتَّصلون به ليؤمِّن لهم الدخول إلى المنطقة، وأخذ ما يريدون من أثاث، ثم الخروج منها.. وشرح الأب ميشيل أنه يقوم بكتابة ورقة تبيِّن أنَّ حاملها هو مِن سكان المنطقة، وأنه قد أخذ الأثاث من المنطقة بعلم أهلها، ومعرفتهم، وهذه الورقة ممهورة بالختم والتوقيع، على أمل أن يعود مع أهله ويستقرُّوا، متفائلاً بمستقبل المنطقة وبالهدوء والسلام الذي سيحلُّ بسرعة..
بدوره، يؤكِّد الأب فرانس اليسوعي، في دير الآباء اليسوعيين في حمص، أنَّ الخدمات متوافرة، وإن كان بكميات قليلة نسبياً، منوِّهاً إلى أنَّ رحيل السكان كان سبباً رئيساً في تأزُّم الوضع. وشرح أنَّ النقص في المواد كان بسبب نقص العاملين على تأمينها.
 أما عن عودة النازحين، فالأب فرانس كان له رأيٌ آخر، عبَّر عنه بقوله: «المعارك هدأت، ولكن لاأحد يدري متى يمكن أن تتَّقد شرارة الصراع من جديد، لأني أعتقد أنَّ هناك صراعاً حاسماً على الطريق، وهنا تكمن المسؤولية التي لايمكن لأيٍّ منا تحمُّلها، فأنا لاأستطيع أن أدعو الناس إلى العودة، وأنا نفسي لست قادراً على رسم مستقبل المنطقة، ولن أعد الناس بالأمان المطلق فيما إذا عادوا»..
ما لاحظته «بلدنا» خلال جولتها في تلك المنطقة، أنَّ الوضع بدأ بالانتعاش، فبعض دكاكين البقّالة وأفران الفطائر والمقاهي قد تمَّ افتتاحها مرة أخرى، أما العقبات الوحيدة التي واجهتها «بلدنا»، فكانت كثرة الحواجز الأمنية من جميع الأطراف، والبطاقة الشخصية تعدُّ مِن أهم المقتنيات الإنسانية في تلك المنطقة.
النازحون من المناطق الحمصية إلى دمشق ووادي النضارة، بدوا غير متفائلين بالعودة إلى منازلهم في حمص، ونفوا نيتهم العودة في المستقبل القريب والبعيد، إلا عندما يتمُّ حلُّ الأزمة بشكل كامل بين جميع الأطراف، فالقصف والرصاص، في رأيهم، لايملكان عيوناً، ولايفرِّقان بين طفل وعجوز.. أما عن الفكرة التي طرحها الأب ميشيل نعمان، حول أنَّ الوجود البشري المدني في المدينة سيخفِّف من شدة القصف وإطلاق النار وانتشار الأطراف على الأرض، فقد أيَّد معظم من قابلناهم في دمشق ووادي النضارة هذه الفكرة، شريطة أن تنفَّذ بشكل جماعي منظَّم، وأن تكون هناك تطمينات من الأطراف جميعها بأنَّ المناطق المأهولة بالسكان ستكون آمنة بشكل كامل، لا أن يُستخدم المدنيون كدروع بشرية لأيِّ طرف كان، فهذا الأمر كان أكبر مخاوفهم.
يقول أحد النازحين: «الأطراف المتصارعة على الأرض من مصلحتها الإستراتيجية أن يتمَّ إفراغ المدينة من السكان المدنيين الأبرياء، حتى لايستخدمهم أحد الأطراف كحاميات بشرية لهم ولتحرُّكاتهم، وهذا حقّ كلِّ طرف؛ أن يكشف الطرف الآخر ويعرِّيه من كلِّ ما يمكن أن يحميه ويدعمه.. ولكن، ليس من حقّنا أن نعرِّض أنفسنا إلى الخطر بأيِّ شكل من الأشكال، ولكن في حال كانت العودة جماعية، فالأمر سيختلف تماماً».. ويتابع: «هناك مَن عاد واتَّصل بنا وأخبرنا بأنَّ كلَّ شيء على ما يرام، وهناك مَن ذهب إلى هناك وعاد في حالة من الهستريا والخوف والحزن»..
 
¶ في إدلب.. العودة حميدة إلى بعض المناطق
عائلات كثيرة من قرى إدلب، كانت قد تركت منازلها وأراضيها عند اشتداد الأزمة، والأكثرية العظمى منها قد عادت إلى مناطقها بعد انتهاء المشكلات.. يقول مختار إحدى القرى: «مرَّ وقت على هذه الناحية لم يكن فيها من السكان أكثر من أصابع اليد الواحدة، بعد أن كان سكانها يعدّون بالآلاف.. فباتت تسكنها الأشباح والخراب والقمامة، لذا سعيت، أنا وعدد من الأشخاص الذين ظلّوا هنا ولم يغادروا، إلى التواصل مع النازحين وتقديم التسهيلات، تمهيداً لرجوعهم، وبالفعل بدأت الحياة تدبُّ من جديد، وكان تنظيف المدينة وإصلاح ما تخرَّب فيها من أولويات العائدين، والآن كما ترون عدنا كما كنا، وبدأت ملامح الحضارة تعود إلينا بعد أن رحلت لأشهر، وبدأ العائدون إصلاح منازلهم والتخلُّص من بقايا الصراع، وصيانة المرافق العامة، ما شجَّع الموظفين في البلديات على ممارسة عملهم بشكل كامل، فالحياة البشرية هي ما أعاد المناحية إلى ما كانت عليه، لأنه لو لم يكن هناك سكان لما تجرَّأ عمال النظافة وعمال الصيانة الحكوميون على الدخول إلى المنطقة»..
 سكان المنطقة كانوا مرتاحين جداً بالعودة إلى منازلهم. يقول ربّ إحدى الأسر التي نزحت عن الناحية لأكثر من ثلاثة أشهر: «تكبَّدت الخسائر المالية الكبيرة مقابل إيجارات خيالية للمنازل المفروشة.. بالفعل لاشيء يضاهي الفرحة بالعودة إلى المنزل، وإن كان قد أصابه بعض التخريب والهدم، فإصلاح بعض ما خُرِّب خير من البدء من جديد».. جميع مَن عادوا إلى النواحي والقرى في إدلب كانوا يشتكون من قلة الخدمات التي تقدِّمها البلديات، ومن خوف العمال من العمل في الطرقات، ومِن الإهمال الذي يتعرَّضون إليه من قبل الجهات المعنية بتحسين الوضع المعيشي في نواحيهم، ولكن هذا لم يثنِ الأسر عن العودة، خاصةً أنَّ الخطر الذي تسبَّب في خروجهم قد زال، وهم لايشتكون إلا من الإهمال فقط، كما يقولون، ويدعون الجهات المختصة إلى التساهل في بعض إجراءات الصيانة، وتسهيل مرور سيارات المواد الغذائية والأساسية كالوقود والطحين.. ما لاحظته صحيفة «بلدنا» في زيارتها إلى تلك القرى، أنَّ الحياة طبيعية بشكل مثالي تقريباً، وأنَّ المشكلات أصبحت مشابهة لمشكلات الناس في باقي المناطق الآمنة في سورية. والتقينا عدداً من العائدين الذين أرادوا أن يعود باقي النازحين إلى منازلهم من دون خوف، فالجميع هنا متعاونون، وما ينقص الفرد تأمينه مسؤولية الجميع، والتكاتف سيّد الموقف في تلك القرى.. يقول أحدهم: «عدت منذ شهر تقريباً، ووجدت أنَّ منزلي قد تعرَّض إلى النهب والتكسير والانتهاك بكلِّ ما تحمل الكلمة من معنى، ولكن ما واساني أنَّ الجميع لم يتجاهلوا المصيبة التي أصابتني؛ فبعضهم أعطوني الفرش، وآخرون تبرَّعوا بأواني المطبخ، وآخرون بالمال لأصلح الجدران والسقف.. وهكذا وقفت على قدمي أنا وأسرتي بعد أن كنّا مشرَّدين من منزل إلى منزل، ومن مدينة إلى مدينة.. أنصح الجميع بالرجوع، فهناك ما يقارب عشر أسر مازالت تخشى من العودة، وهذا أمر طبيعي، فما حدث لايمكن أن يتمَّ نسيانه أو تجاهله، والخوف الذي تملَّكنا مازال يحمل آثاره في ذاكرتنا»..
 الجميع في إدلب، ممن قابلناهم، كانوا قد أكَّدوا وأصرُّوا على أنَّ أكثر عمل أسهم في زيادة التخريب وزيادة السرقات واستباحة القرى، كان نزوح الأهالي، ما جعل الأطراف حرَّة في التصرُّف بالقرى كما تريد، من دون حساب لبشر أو حجر.
النازحون من إدلب إلى دمشق أبدوا عدم رغبتهم في العودة إلى أن يحلَّ الأمان بشكل كامل، وكان دأبهم دأب أقرانهم من حمص؛ فهم لايريدون المخاطرة ولا حتى بقطرة دم، ولسان حالهم يقول: «المال يمكن أن يضيع ويُعوَّض، أما الروح فلايمكن تعويضها أو التفريط فيها أبداً»..
حجم الدمار في العمران في مناطق إدلب كان أقل مما شاهدناه في حمص، ربما لأنَّ تلك القرى كانت تعتمد على الأبنية الأرضية بشكل كثيف، ولايوجد كثير من الأبنية الطابقية فيها، وبالتالي الخسائر يمكن القول إنها أقل بشكل عام من الخسائر في حمص، والخطورة أصبحت شبه معدومة في كثير من القرى، وما نقصده هنا «خطورة المواجهات بين الأطراف».. أما عن باقي مشاهد الأزمة، فهي واضحة بشكل جلي على الجدران، وعلى الشوارع، وفي المظاهرات الليلية التي لاتستمرُّ أكثر من دقائق، ولاتشكِّل خطراً على السكان بشكل عام، كما قال قاطنو تلك المناطق..
 
Image ¶ حماة: نزحنا ثم عدنا ثم نزحنا ثم عدنا
في حماة، كانت بعض القرى تعاني من مشكلة النزوح، والمناطق المتبقّية استطاعت أن تصمد تحت شدة الصراع. يقول أهالي إحدى القرى: «خرجنا عندما احتدم الصراع وصار الرصاص هو الآمر والناهي ليل نهار.. ندرك أنَّ خروجنا من المنطقة يعني أنه يمكن أن نعود ولانجد شيئاً مما تركناه خلفنا».. وهذا ما حدث فعلاً لكثيرين، حيث يؤكِّد أحد الوجهاء: «سُرقت المنازل ونُهبت الأراضي وصارت البيوت محطات استراحة للقاصي والداني.. استُبيحت القرية بشكل كامل، ولكن الأمور الآن على أحسن ما يرام، والناس يعودون بشكل مستمرّ إلينا، والحالة استقرَّت، فالخدمات الصحية والمعيشية بدأت بالعودة والظهور في المنطقة، وعمال النظافة والصيانة الحكوميون يعملون ليل نهار لتأمين البيئة الصحية السليمة والمناسبة لعودة جميع النازحين، وهم يعودون الآن»..
قرى ريف حماة تحتاج إلى الكثير من الخدمات الناقصة، من كهرباء وماء، كما أصبحت بعض بناها التحتية معدومة تماماً، والناس هناك يقومون بإصلاح ما يستطيعون إصلاحه على نفقتهم الشخصية.. أما النازحون إلى دمشق، فالأغلبية الساحقة منهم، ممن قابلناهم، أكَّدوا أنهم يحضِّرون أنفسهم للعودة بعد انتهاء العام الدراسي، وأنَّ ما يُبقيهم في دمشق هو فقط التزامهم بأبنائهم ودراستهم، ولولا ذلك لكانت عودتهم اليوم قبل الغد»..
فوجئنا خلال لقاءاتنا مع النازحين، أنَّ هناك مَن مرَّ في معاناة غريبة من نوعها. تقول إحدى النازحات: «أنا من الناس الذين نزحوا مع بداية الأحداث، وعندما شعرت بأنها هدأت عدت إلى منزلي، ثم نزحت إلى دمشق عندما ساءت الأمور مرة أخرى، وأنا أنتظر بفارغ الصبر العودة إلى منزلي وأهلي وصديقاتي، ولست الوحيدة التي عانيت من هذه الرحلات المكوكية من نزوح وعودة، فأكثر من عشر عائلات أعرفها تمام المعرفة قد كابدت هذه العذابات»..
 
ما لاحظته «بلدنا» في تجوالها في كثير من المناطق المتأزِّمة، كميات التفاؤل الخارجة عن المألوف، فرغم الدمار والموت الذي تنتشر رائحته في كثير من الطرقات، مترافقة مع روائح القمامة التي لم يتمّ جرفها منذ أشهر كثيرة، ما اضطرَّ الأهالي إلى التخلُّص منها بالحرق أو بنقلها بالسيارات إلى أماكن أبعد.. على الرغم من كلِّ هذا، وجد السكان مساحات للفرح، واستطاعوا بناء الحياة من جديد، وتأمين العودة السالمة السليمة لكلِّ مَن يرغب فيها من المواطنين النازحين..

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s