حصان طروادة… ثورةٌ خفية في سورية

انتبذت مكاناً قصياً مع فنجاني وعدة الكتابة، أمس؛ لأعمل بهدوء على أحد التحقيقات بشأن بعض الشكاوى المتعلقة بالمواطنين ومشكلاتهم. وفي خضم إبحاري بين التواقيع والمراجعات والتحويلات والطوابع، صُدمت بورقة تدمّر كلَّ ما تمَّ ذكره رسمياً على المعاملات، كُتب عليها: «ترقن لحين النظر»، وورقة أخرى تقول: «توقفت الشكوى عند فلان واختفت». هنا قفزت فكرة خطرة جداً (بتقييم الرقابة)، فاستبعدتها، كي لا أصبح أنا الخطر في نظرهم، ولكنها (أي الفكرة) ألحَّت عليَّ، وإلحاحُ الفكرة لا يُقاوم..
كانت الفكرة حول تعريف الثورة، فطفقت أبحث عن معنى كلمة «ثورة»، لأكتشف أنها تعني باختصار «الانقلاب على القوانين التي وضعها الشارع ضمن أعراف سائدة وفي زمن معين». وهنا طبعاً شعرت بأنَّ لمبة الأفكار المضيئة فوق رأسي تحوَّلت إلى ضوء الخطر على سيارة الإسعاف، خاصةً عند استدراك فكرة الانقلاب على القوانين، التي تختلف عن مخالفة القوانين. فالمخالفة تقع في حقّ كلّ منفّذ للقانون، أما إذا وقعت على يدي المسؤول عن تنفيذ القانون، فهذا يعني انقلاباً على القانون، ما بدوره يعني أنَّ كل شخص مسؤول عن تنفيذ قانون معيّن حين يسمح باختراق هذا القانون يكون قد أثبت تماماً أنه غير مقتنع بجدوى هذا القانون أو بصدقيته، وبالتالي يركنه على الرفوف، إن لم يفرغه من محتواه.
وهذا ما لاحظت ولاحظتم ويلاحظ الجميع أنه يحدث؛ بدءاً من مرسوم منع التدخين، حتى قوانين الاستيراد والتصدير، ومروراً بقوانين حماية المستهلك والأبنية المخالفة وإشغال الأرصفة وتجاوز إشارات المرور الحمراء بدعوى النوافذ السوداء.. حتى وصل الأمر، في إحدى المحافظات، إلى ترك الخاطف يهرب بمن خطف ثم ليقتله. وكان ترك الخاطف بدعوى أنَّ السيارات ينقصها البنزين وأنَّ المخصصات قد نفدت.
المصيبة أنَّ أكثر المشرفين على تنفيذ القانون يقبضون المال الأسود لينقلبوا عليه، وهم بذلك لا يختلفون عن الذين يقبضون المال من الخارج لمخالفة القانون في الداخل بطريقة أو بأخرى. فالسماح بالبناء المخالف، وبالتدخين في الأماكن العامة، وبتمرير الصفقات الفاسدة.. هو انقلاب تام على المراسيم والقوانين، وهو يدلّ تماماً على أنَّ هناك ثورة شبيهة بحصان طروادة، قد تسلَّلت إلى أروقة الأبنية الحكومية قبل طرقات القرى؛ «ثورجيوها» رجال ومديرون ينقلبون على القوانين، ويثورون بصمت على المراسيم لتفرغ من محتواها. وبالتالي، وحسب التعريف واعتماداً على كل ما سبق: الثورجي حالياً يقبع خلف مكتب، ويتقاضى راتباً من الدولة التي يثور عليها.. الثورجي هو كلّ مسؤول عن الانتهاك والانقلاب على المراسيم الجمهورية والقوانين التي قام «بدسّها» في درج مكتبه، وهو كلّ مسؤول عن ارتفاع الأسعار ليبتسم وهو «يدسّ» المال في جيبه جراء انقلابه على القوانين، وهو أيضاً سيكون أوّل المنبطحين والمتزلّفين عند كلّ باب عندما يحين دور إخماد ثورته.
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s