الـ «فيسبوك» ساحة للشحن ومرفأ لتصدير الفتن

«التهديد بالقتل كما التحريض عليه جرم يحاسب عليه القانون فالتحريض عقوبته مطابقة للجرم الذي يتمّ التحريض عليه»

عندما عرض أحد مخرجي السينما الغربيين فكرة خطورة الرجال الآليين في المستقبل وإمكانية انتقامهم من الجنس البشري، كان يعبّر عن خطورة تحوّل الخير إلى شرّ مقيم، وقدرة الصديق على الطعن في الظهر. والآن، نشهد ما أخبرنا به هذا المخرج، من أنَّ الوقت، الذي سنكون فيه أخطر على أنفسنا ومجتمعنا من عدوّ، قد حطَّ رحاله بيننا.

وهذا ما يحدث على صفحات الـ»فيسبوك»، تلك الشبكة الاجتماعية، أو لنقل الشرك الاجتماعي الذي يحمل بين خيوطه القتلة والمترقبين والفاسقين والصالحين وقليلاً من المثقفين، والضحية بين هؤلاء جميعاً هو الشارع والعلاقات الاجتماعية، رغم اسم الشبكة.

 

¶ صفحات الفيسبوك مراكز معتمدة للشحن الطائفي والسياسي

يحتوي الفيسبوك على مقدار هائل من المنابر السورية، من جميع أطراف الأزمة. وكلُّ منبر يطلق شعارات الحيادية والسلمية والإصلاح، وأنه هو الطرف الذي كشف نقاط الضعف في بنية المجتمع السوري ويقوم بإصلاحها (طبعاً على طريقته الخاصة)؛ يقول صاحب إحدى الصفحات المعارضة: «هدفي من إنشاء هذه الصفحة أن أبيّن للناس الحقيقة، وأعطي رأيي في كل القضايا بكلِّ حرية.. هذا ما كنت أخطط له، لكنَّ الأمور تطوَّرت، والمشاركون زاد عددهم، حتى أصبحنا نطرح مشاريع وخططاً لإصلاح المجتمع، ولترجيح رأي عام على آخر، وبدأنا الاستعانة بالكثير من الخبراء النفسيين والمسوّقين الناجحين إلى جانب مصممي الصور الدعائية، حتى باتت صفحتي منبراً يجمع عدداً كبيراً من المتابعين، الذين آمنوا بما أنشره على الصفحة، ويتكلمون بالطريقة نفسها التي أتكلم بها». وهذا الشاب، صاحب الصفحة، يتكلّم بثقة قلَّ نظيرها، ويشرح كيف أصبحت الشعارات التي يطرحها والأفكار التي يعطيها تطبَّق على الأرض، وتخلق صدى إعلامياً كبيراً.

يحدِّد الشاب انتماءه بالمعارض لكلِّ شيء؛ فهو لا ينتمي إلى المعارضة الداخلية ولا إلى الخارجية، وإنما ينتمي إلى فكرة، كما يقول، مضيفاً: «أنا، ومن معي، نحدَِّد الطريقة التي نتبعها لإصلاح المجتمع، وهناك الكثير ممن حاول اختراق الصفحة وتدميرها. وهذا ما زاد في إصرارنا على الاستمرار؛ فالشجرة المثمرة تُضرب بالحجارة».

يذكر صاحب الصفحة، التي يشبّهها بالشجرة المثمرة، أسماء صفحات حاولت مهاجمة منبره؛ مضيفاً: «استطعنا التواصل مع بعض المسؤولين عنها؛ حيث سردوا الأسباب وراء إنشائهم صفحاتهم الممهورة بحبِّ الوطن والمواطن، وكيف يقومون بتنسيق العمل بينهم لضرب الصفحات الـتي تدعو إلى الفتنة الطائفية، على حدَِّ تعبيرهم؛ إذ تبثّ السمّ في منشوراتها. أما أصحابها فيلهثون وراء التخريب وهدم دعائم المجتمع والأمن والسلم والتعايش». وأخبرنا مدير إحدى الصفحات بأنه وأصدقاءه يقومون بنشر الوعي وإبعاد الناس عن هؤلاء المخربين، الذين يحتلّون العقول وينخرونها: «نردّ الكذب بالكذب في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى نعرّي أمام المتصفحين للناس كذب هؤلاء، ونكشف حيلهم، ونتحداهم ليثبتوا أنهم على حق». ويتابع شارحاً كيفية استقائه المعلومات: «نلتزم أقصى اليسار، وكثيراً ما نستنتج الكذب دون أن نستقصي، لأنَّ هناك منطقاً اعتدنا عليه ويطرح نفسه؛ فإذا كانت الأحداث المعروضة غير منطقية هاجمناها وأعددنا لها ما يلزم من ردود أفعال ومواقف». ويضيف: «نعمل على توجيه الناس إلى اتخاذ جانب من الأزمة، لأننا نؤمن بأنَّ وقت الحياد قد انتهى، وكل من ليس إلى جانبنا فهو في الجانب الآخر حتماً، لكننا لا نعمل على أساس طائفي أو ديني بل على أساس حب الوطن ضدَّ من يحب أن يخربه»؛ ختم مدير الصفحة كلامه، معرفاً عن نفسه بأنه مؤيد للإصلاحات. طبعاً حديثه جاء مطابقاً في التشدّد لوجهة نظره للطرف الآخر؛ إذ إنَّ كليهما يدّعي الصحة فيما يفعل، بينما رواد هذه الصفحات يحتشدون كلٌّ مع من يحبّ، وينهلون منهم من خلاصة الأفكار المتصارعة.

وفي هذا الإطار، تقول صفاء الزين (الخبيرة الاجتماعية): «من أخطر ما يواجهه المجتمع السوري حالياً هو السباق بين أصحاب الصفحات والمنابر الإعلامية إلى احتلال عقول العامة؛ كونه يفضي إلى انقسام في طبقات المجتمع وفي الأداء والمجهود الفردي». وتبيّن الخبيرة كيفية الاستقطاب الارتجالي والآلي الذي يحدث في المجتمع: «عندما يقع الفرد العادي ضحية قصتين متناقضتين عن حدث معيّن، فهو يلجأ إلى القصة الأقرب إلى مجتمعه وبيئته. فمثلاً، إذا عرضت إحدى الصفحات صورة رجل قد تمَّ تعذيبه بعنف وقذارة، ومُهرت هذه الصورة باتهام أحد الأطراف بالتعذيب، ثم تمَّ عرض هذه الصورة نفسها، ولكن من الطرف المتهم، وهو يشرح كيف أنَّ الطرف الآخر قام بهذا الفعل؛ نجد أنَّ هناك رأيين، وأنَّ هناك من يؤمن إيماناً مطلقاً بإحدى الصفحات، ويبني ردات فعله بناءً على ما يوضع من تعليقات تحت الصورة.. فقد يخرج إلى الشارع لينفذ موقفه، وإذا لم يفعل نفَّس عن غضبه بتعليق آخر، ليقرأه رجل آخر، فيستشيط غيظاً. فإذا كان قادراً على النزول إلى الشارع أو حمل السلاح، ارتكب جريمة أو مارس عنفاً من نوع ما في حقّ أحدهم ممن اقتنع بأنه المسؤول عن العنف أولاً. وبالتالي، كما تكون هذه الصفحة هي من قام بتجييش هؤلاء، تكون هي نفسها من حرَّض وفرّق ونفّذ».

بالإبحار في عالم الفيسبوك، وخاصةً في الصفحات السورية، تجد ما يندى له الجبين من عناوين؛ إن تخيَّل المرء تطبيقها في الشارع، عَرف أنَّ السوريين أنفسهم هم من يحيكون المؤامرة ضدَّ أنفسهم. تقول منى، وهي خريجة علاقات سياسية ودولية من جامعة دمشق: «هناك صفحات صنعت فقط لبثّ الخوف في قلوب روادها، وهناك صفحات لبثّ الضغينة ضدّ طرف من الأطراف وإثارة مشاعره واستفزازه. والجميع يدَّعي أنه محبٌّ للوطن ويدافع عن أرضه وشعبه. ولكن كما تعلمنا في علم السياسة، السياسي لا يمكن أن يحمل مسدساً لكنه يستطيع أن يشعل حرباً. وهؤلاء أقرب إلى المراهقين المندفعين، الذين يردون السيئة بأكبر منها، ومن ثم ينفون اتهامهم بارتكاب جريمة».

 

¶ مراصد للقتل ودعم لوجستي للقناصين

كثير من الصفحات على الفيسبوك تحتوي على معلومات، هي أقرب إلى الجريمة الموصوفة. هذا لأنها انتهجت نهج إصلاح، ولكن على طريقتها الخاصة؛ بأن تضع صورة شخص معين، متضمنة معلومات شخصية عنه وعن أسرته ومكان سكنه وطريق سيره والأماكن التي يزورها، وتطلب من كلّ من يقابله أو يعرفه أن يقضي عليه، أو أن يرسل إليه تهديداً بالقتل أو بتخريب ممتلكاته أو حتى خطف أحد من أقاربه، بذريعة أنه مخرب في المجتمع. وهذه الصفحات تنتمي إلى جميع الأطياف، على ما يبدو. يقول سالم، مدير صفحة تنتهج خط الدفاع والهجوم (حسب وصفه): «نحن نردّ عليهم بالمثل؛ فهم يهدّدون الأبرياء، ونحن نبحث عنهم ونحاول اختراق حساباتهم لمعرفة تفاصيل عنهم ثم ننشرها. نحن لهم بالمرصاد». مدير صفحة أخرى، قال: «قامت إحدى الصفحات بنشر صور وتفاصيل ثلاثة من مديري صفحتي، وتمَّ الاعتداء عليهم بالضرب والشتم. ونحن بدورنا قمنا بالتحقق من مرتكبي هذا الاعتداء، وقمنا بالتشهير بهم ونشر صورهم. وبالفعل استطعنا الوصول إلى أحدهم وإرساله إلى المستشفى». يستدرك مدير الصفحة، قائلاً: «نملك الحقَّ في التعبير عن آرائنا، كما يملك الآخرون في الضفة المقابلة هذا الحقّ».

معظم الصفحات، التي نشرت الفكر المتطرف و«المتزمت» لكلا الطرفين، كانت تبدأ بكلمات تدعو إلى التفاؤل والتعامل مثل: «معاً لـبناء سورية- معاً لحماية الوطن- نعم..»، وتنتهي بما يدلّ على السلمية والصداقة والتعايش. ولكن هذا كله لم يظهر في أحاديث أيّ من مديريها ومشرفيها. ويفسّر أحدهم هذا التناقض، بالقول: «لم أكن أنوي أن تكون الصفحة منبراً للدلالة على أشخاص وتخوين فلان وعلان. ولكن عندما رأيت صورتي وعنواني على إحدى الصفحات، وقد كُتب تحت صورتي كلمة «الخائن»، غضبت جداً، وبدأت بانتهاج هذا الأسلوب، ولكن بحرص؛ فأنا في صفحتي لا أقوم بنشر الدعوات إلى قتل الخونة، ولكن أسمح فقط بالدعوات التي تطالبهم بالعودة إلى طريق الصواب وعدم الإضرار بالآخرين». وما نقوم به -يتابع مدير الصفحة- هو «عرض صورة من نعتبره عنصراً مؤذياً في المجتمع، ونطلب ممن يعرفه أن ينصحه، وهدفنا الأساس أن يرتدع عما يفعل».

ما قاله الشاب لم يكن واقعياً على الإطلاق؛ فالوقائع، التي تحدَّث عنها كثير من رواد الصفحات المشابهة التي تنشر أسماء من تسميهم «الخونة والعملاء»، أكدت أنَّ كثيراً من الأبرياء قد تمَّت تصفيتهم بعد أسبوع أو أسبوعين من نشر أسمائهم على هذه الصفحات، والصراع مازال على أشده بين أصحاب الصفحات، وجبهات كبيرة تُفتح عندما تخطئ إحدى الصفحات في خبر ما أو في موقف معين؛ حيث تبدأ الصفحات الأخرى بكيل الاتهامات عليها. وكل هذا يقرؤه العامة، ويؤثر فيهم بطريقة أو بأخرى، فيجيّشهم إما لليمين أو لليسار، مسلّحين بكامل الأسلحة السلبية التي يمكن أن توجّه إلى عقل بشري.

مدير صفحة «عن حارتنا الحميدية ببساطة» شرح معاناته، قائلاً: «أنشأت هذه الصفحة حتى أقوم بطمأنة النازحين من المنطقة عن أوضاع منازلهم وأملاكهم. ولكن بعد فترة وجدت نفسي في خضمّ معركة شرسة، شنّها عليّ جميع الأطراف، لأني، كما يقولون، بقيت في المنتصف من جميع الأطراف، ولم أتخذ جانباً أدعمه، ثم اتُهمت بأني أعطي المعلومات عن الأطراف جميعاً لجميع الأطراف، وتلقَّيت الكثير من التهديدات بإنهاء حياتي إن لم أنهِ هذه الصفحة أو أتبنّى جانباً معيناً، فرضخت إلى بعض المطالب، واضطررت إلى اتباع سياسة مشددة في كل ما يكتب على الصفحة حتى لا أُقتل». أما مدير صفحة «الدومري» -وهي صفحة معارضة بشدة- فأوضح أنه سافر إلى خارج سورية نتيجة التهديدات التي كانت تصله، وقال: «كانت الرسائل تأتيني على الصفحة، ومغزاها أنهم قد عرفوا من أنا، وسيأتيني الدور لأموت شرَّ ميتة؛ لأنَّ صفحة الدومري هذه -بحسب تعبيرهم- تعدَّت في تعبيرها المألوف، وكسرت كلَّ حواجز الأدب والأخلاق والسياسة..». في حين يعلّق صاحب صفحة «قنّاص الخونة»: «بحثت عن مؤسس صفحة الدومري، واستطعت اختراق صفحته الشخصية ومعرفة من يكون، لكنه اختفى فجأة. ولولا ذلك، لكنت أفهمته كيفية نكران الجميل للبلد الذي أنشأه وعلمه». من جانبه، قال مدير صفحة «صوت الشعب من دمشق»: «هناك أشخاص من فريقنا مهددون بشكل مباشر في أيّ وقت من قبل أعضاء الصفحات المناقضة لتوجهاتنا. ولا يمكننا فعل شيء إزاء ذلك سوى أن نكون حريصين في التنقلات وفي التعرّف إلى الأصدقاء الجدد». ويضيف: «يتهموننا بأننا (عواينية)، ويقومون بنشر الصور صراحةً، لكنني لم أشعر أبداً بأنَّ الحالة خطرة إلى درجة التصفية أو القتل. ولكن من خلال مراقبة أسلوبهم العدائي في التنفيس عن الغضب، أدركت تماماً أنهم منظمون ويعملون حسب خطط مسبقة». وعن إمكانية أن يكون الفيسبوك منبراً للتجييش الشعبي وحقن الضغينة وإثارة الشارع، قال: «أعتقد أنَّ الفيسبوك هو ساحة لتفريغ الشحنات السالبة والكبت. ومن أسف، كانت نتائجه كارثية في تأطير الشارع وتوجيهه في الاتجاه المعاكس لسير الإصلاح والسلام. لذا أنصح بعضهم ممن يظنون أنهم يقومون بعمل وطني ويلجؤون إلى استفزاز الآخر، ظناً منهم أنه الردّ المناسب، بأن يبتعدوا عن هذه «الحمية الغبية» التي وُضعت في غير مكانها».

 

¶ صفحات أخبار و«العين بالعين».. والناتج: تحزبات وشتائم

كالنار في الهشيم، انتشرت صفحات الأخبار الخاصة بكلّ محافظة في سورية على الفيسبوك، وصار القاصي والداني يعلم أنَّ الفيسبوك هو الملاذ لمعرفة أخبار المناطق من الطرفين. فكلما أنشأ طرف صفحة، أنشأ الطرف الآخر صفحة مشابهة لها في المضمون معاكسة في الاتجاه، لتبدأ رحلة الخبر ونفيه وتكذيبه، ثم إثباته، ثم شتم من بثّه وإعادة شتم الشاتم الأول، ثم التعليقات على الخبر، حيث لا يمكن أن يخلو تعليق من لفظ استفزازي للطرف الآخر، ليعود الطرف الآخر ليجيب بطريقة استفزازية أكبر، فيتعرّف الطرفان إلى بعضهما بالطريقة التي تعبّر عن كل منهما، وتكون الفكرة في النهاية أنَّ هذا الطرف يريد ذبح الطرف الآخر الذي يفكّر بدوره في تفجيره. وهذا كله تحت مظلة الفيسبوك والمشرفين على الصفحات. أما إن وجد أحد حيادياً، فيفهم أصدقاؤه أنَّ الصفحة محترمة ولا يريد أن تُعرض الشتائم عليها.

يقول مدير صفحة «شبكة أخبار سورية»: «نعمل على إيصال الخبر بالسرعة الممكنة للجميع؛ لتأمين الدعم للأهل، ونشر الأخبار الصحيحة قبل تشويهها من قبل الصفحات الأخرى، ليتمّ الاطلاع عليها من قبل أكبر عدد ممكن من السوريين في الداخل والخارج. ونحن نتوخّى الحيادية قدر الإمكان، ولكن طبعاً ليس على حساب أمن الوطن وسلامته». ويضيف: «لقد كلفتنا هذه الصدقية الكثير؛ فأنا وزملائي في الشبكة ننصح الجميع بعدم استخدام صورهم الشخصية على الفيسبوك وعلى الصفحة، حتى لا يتمّ التعرف إليهم من قبل الطرف الآخر، ويصبحوا بذلك في دائرة الخطر». وأكّد نأي صفحته عن التصرفات المتعنتة والارتجالية في تهديد الآخرين، وفضحهم أو التشهير بهم. وأضاف: «من المؤكد أننا لن نُقابل من يشهّر بنا وينشر صورنا ويهدّدنا بالمثل؛ فنحن في النهاية نعمل على حلحلة الأمور ونشر ثقافة التسامح وليس الصدام في سورية، على الرغم من أنَّ الكثيرين قد طالبوا الصفحة بأن تنشر مثل هذه الصور والتصرفات، ولكنَّ رَفضنا كان شديداً؛ على اعتبار أنَّ أسلوبنا يختلف عن أساليبهم. ولو توافرت لدينا أيّ معلومات سنوصلها إلى الجهات الأمنية المخوّلة بهذه الأمور، انطلاقاً من سعينا إلى توحيد الصف السوري بعيداً عن أيّ تأجيج أو انقسام».

كثير من مديري الصفحات أكدوا أنَّ الفيسبوك أصبح المنبر، وغرفةَ العمليات التي يعتمدون عليها في تنفيذ ما يريدون، وفي توجيه الرأي العام السوري وفقاً لتوجهاتهم.. يقول صاحب صفحة تضمَّنت في اسمها اسم مدينة «حمص»: «نحن هنا لنوجه رسالة واضحة، ولنسمع صوتنا للجميع. والأخبار التي نبثّها ليست كالتي يبثّها الآخرون؛ فنحن لا نعتمد على سياسة القصّ واللصق من المواقع الأخرى، ولا ننتظر المواقع لتنشر الخبر فنسرقه، بل لدينا مراسلون، ونعتمد على الأسلوب التفاعلي؛ فالجميع يمكنه أن يضع الخبر الذي يريد، وفي حال تبيَّن كذبه يتمّ حظره ومنعه من الكتابة لكذبه أو تلفيقه. والآن، بعد مضي سنة كاملة على إنشاء الصفحة، لم يُنشر أيّ خبر كاذب، كما لم نُهن أحداً، ولا نتبع أسلوب التهديد. ولكن في حال تطفَّل أحد من الطرف الآخر ليقوم بالتهديد والوعيد، فالجميع لديه الحرية ليقول أيَّ شيء يريده للردّ على المتطفلين». وعن التهديدات التي يتلقّاها هو أو أحد زملائه، قال: «بصراحة التهديدات يومية، بل ساعية، ولكن لا جدوى منها؛ فنحن حريصون على ألا نُعرف، وحريصون على ألا ندخل في سجالات عقيمة قد تتسبَّب في كشف هويتنا للآخر».

 

¶ قانونياً: المحرّض كالفاعل والجميع له الحقّ في الادعاء

المحامي صالح النجار ( الخازن في نقابة المحامين- فرع ريف دمشق) أكد أنَّ التهديد بالقتل والتحريض على القتل هو جرم يحاسب عليه القانون؛ فالتحريض عقوبته مطابقة للجرم الذي يتمّ التحريض عليه، وذلك حسب المواد 199 وحتى 218 من قانون العقوبات: «المحرض تماماً كالشريك، سواء تمَّ الجرم أم لم يتمّ».

وشرح النجار أنه «حتى لو لم يتمّ القتل أو تنفيذ التهديد، هناك حالات يشرحها القانون وتعدّ شروعاً في القتل. فإذا كان المانع من القتل طبيعياً خارجاً عن إرادة المحرض والقاتل المفترض، كان شروعاً تاماً في القتل. أما إذا تراجع القاتل وكانت كلّ الظروف مطابقة لما خطّط له لعمل جريمته، ولكنه توقف عن الفعل الجرمي في اللحظة الأخيرة، فهذا يعدّ شروعاً غير تام بالقتل. وفي كلتا الحالتين تجب محاسبة كل من يقوم بالتحريض. ويمكن لأيّ متضرّر من نشر اسمه على أيّ موقع على الإنترنت أن يقيم دعوى ضدّ كلّ من يهدّده فرداً أو جماعة، رغم أنه لم تصدر أيّ تشريعات تُفضي بأخذ بيانات من الإنترنت كأدلة جازمة. ولكن يمكن أن يستأنس القاضي بما يقدَّم له من بيانات مثبتة عن المكان أو الموقع الذي تمَّ التهديد من خلاله؛ لأنَّ القانون يُعاقب على لفظ أو كتابة أو إشارة بالإساءة أو تهديد بالقتل أو الخطف. ويحقّ لكلِّ متضرِّر أن يحفظ نفسه باللجوء إلى القضاء». وأوضح المحامي النجار: «صحيح أنَّ القانون السوري لم يذكر حالات الإنترنت لأنها مستحدثة على المجتمع السوري، ولكن هذا لا يعني أنه قاصر». وذكر مثالاً على ذلك: «لو تمَّ اكتشاف مجموعة تأكل لحوم البشر في سورية، يمكن التعامل مع القضية قانونياً، حتى لو لم تكن مذكورة نصاً في قانون العقوبات».

 

¶ أداة طيّعة بيد السوريين

أدى الفيسبوك دوراً كبيراً على صعيد الحركات الداخلية في دول كثيرة، وأدّى إلى تغييرات حميدة في بعض الأحيان وخبيثة في أكثرها -ولكن أن يصل الأمر إلى أن يُستخدم كأداة للتحريض على القتل والخطف والفساد في المجتمع..!- كما لعب دوراً في مساعدة الكثيرين على النجاة من المشكلات والرجوع عن الانتحار، وساعد الكثير من المرضى في إيجاد من يساعدهم في الشفاء من أمراضهم أو في دفع تكاليف العمليات الجراحية. فهذا يعني أنه أداة طيّعة، تتشكّل كما يريد مستخدمها، وهذا دليل على أنَّ من يستخدم الفيسبوك في سورية هو من يمتلك القدرة على تحريك الشارع وعلى تحقيق الخطر أو رفعه؛ فالعلم والتطور والتقنيات.. كلها ليست سوى عصا سحرية، يمكن أن تصنع دبابة، أو أن تعطي مزرعة من الورود، أو تحفر قبراً لصديق.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s