المحتوى العربي على الانترنت, مغارة علي بابا أم “كيس مسحر” ؟

حين تقبل – متفائلاً-  أكثر من مرة للبحث بالعربية في الانترنت ولا تجد ما يشبع حاجتك، تعرف أن المحتوى العربي يعاني نقصاً فظيعاً، خاصة أن استخدام العربية في الانترنت قد تضاعف من العام 2000 الى 2011م أكثر من 2300%، فهل نحن أمام المثل القائل “كل شي زاد بالمعنى نقص”

تعتبر اللغة العربية سادس لغة معترف بها على مستوى الأمم المتحدة، وأقدم اللغات في العالم (17 قرناً)، ومع ذلك فإن المحزن أنه لا يوجد حتى الآن محرك بحث عربي خالص القوام وفقاً لرؤية محركات البحث العالمية, وما زال المستخدم العربي يعيش صراعات القراءات المجانية والحشو الخالي من البلاغة أو الخالي حتى من أبسط قواعد اللغة العربية.

خط البداية :

 في جولة بسيطة على مقاهي الانترنت، استطعنا أن نرصد نقطة المعاناة الزمانية والعلمية في بحر الشتات العربي بين خيوط الشبكة العنكبوتية العالمية. وقفنا بالقرب من شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين من العمر، وهو يسعى بقليل من الملل والنقر بأصابعه على الطاولة بترقب مع نفثه لدخان سيجارته بسرعة وعصبية ” أحتاج الانترنيت من أجل مشاريع البحوث ورسائل التخرج، لكن لا أجد مثل هذه المعلومات بسهولة ووفرة في مواقع الجامعات العربية التي قد تكتفي بعرض معلومات عن تاريخ هذه الجامعات وهيكلها التدريسي والإداري.” قال خالد الزين طالب التعليم المفتوح مجيباً عن: لماذا هذا التوتر. وأضاف: ” أتمنى لو كنت أستطيع أن أجد فيها كل شيء يهم الطلاب بدءاً من نتائج الطلاب ومشاريعهم ومعلومات عن الكتب والمناهج التدريسية، مع العلم أنه يمكنك أن تجد هذه المعلومات في المنتديات، ولكن لا يمكنك ان تكون واثقاً من صدقيتها, فلا يوجد جهة رسمية مشرفة مثلاً على محتويات منتديات التعليم المفتوح في سورية، وبالتالي تتفاجأ حين تدخل إلى موقع التعليم المفتوح الرسمي بأنه لا يمثل الا موقعاً لمكتب إعلامي إعلاني فقط. أما بشكل عام، فتجد أن ما يزيد على 90% من المواقع التي تتضمن محتوى عربياً كثيفاً هي المواقع الخليجية. أما مواقعنا في سورية، فأنا أرى أنها فقط للتسلية أو للبيع أو للإعلانات والمواقع الإخبارية فقط، تنسخ ما يتم إصداره من ورقيات”. أيدته في ذلك ندى كنعان طالبة في كلية الهندسة: ” لا أستخدم مواقع الانترنيت العربية كثيراً، لأني أجد مباشرة ما أبحث عنه في المواقع الأجنبية بدقة أكثر وباللغة الانكليزية، حيث إن معظم المحتوى العربي في الانترنيت مترجم من هذه المواقع، وبالتالي قد تحصل أخطاء بالترجمة، يمكن أن تؤثر في المضمون؛ لذا بتصفحي المواقع الأجنبية الأصلية أوفر الوقت والعناء لأجد ما أريد”. كانت المقارنة التي فرضتها ندى مثيرة للاهتمام والبحث عن هل يمكن مقارنة المحتوى العربي بالمحتوى الأجنبي وأين تكمن نقاط الضعف والقوة ؟ أجابنا بكل لا مبالاة ويأس مصمم المواقع خالد الكركوتلي 30 عاماً ” شتان بين الثرى والثريا” وأردف ” لا أعتقد أن مواقع الانترنيت العربية قد بلغت مستوى جيداً مقارنة مع المواقع الأجنبية الأخرى، سواء من حيث المحتوى أو الشكل أو الخدمات، فمعظم هذه المواقع ذات محتوى مكرر ومقتبس من غيره، إن لم يكن منقولاً بحرفيته. أما بالنسبة للشكل، فيتم على الأغلب الاعتماد على المؤثرات الفلاشية المتحركة والتي قد تسبب تحميلاً زائداً وأخطاء كثيرة في الموقع، ونادراً ما تجد موقعاً متكاملاً يحوي جميع الخدمات التي قد يحتاج إليها مستخدم الانترنيت بينما طغت على المواقع الانكليزية أو الأجنبية بشكل عام فكرة التخصص؛ بمعنى آخر، لا تجد في المواقع الأمريكية أو الفرنسية فكرة الموقع الشامل لكل شيء وإن وجدت فإنها لا تشكل أكثر من 2% من مجمل المواقع. أما المواقع العربية، فهي مثل “كيس المسحر” تحتوي على كل ما يمكن للإنسان أن يفكر فيه دون أي سند علمي أو أصالة في المواد أو أية صدقية”

 

 

كف عدس

قرصان الانترنت، كما أحبًّ أن نعرّف عنه، قال: “أنا كمتخصص في علوم الحاسب، حاولت منذ فترة أن  أبحث عن معلومات عن “ترميز هوفمان” وهو خوارزمية ترميز مشهورة جداً في مجال علوم الحاسب .. وتستخدم لتقليل حجم (ضغط) الملفات النصية، فكان عدد النتائج في جوجل 790 وأغلبها إما استفسار دون جواب أو شرح بسيط غير مفصّل لكن عندما كتبت  (huffman coding) وجدت أن عدد النتائج كان 5.530.000 مع العلم بأن هذا المصطلح معروف في علوم الحاسب، لكن لو تعمقت في مصطلحات أدق، أشك أني سأجد أية نتائج عربية, فالعرب على الانترنت لا يجيدون سوى الإعلانات والأخبار المنقولة والشائعات. أنا أحب أن اسمي المحتوى العربي بثقافة النسخ واللصق فقط لا غير” عصبية هذا القرصان كانت تعبر أكثر من كلماته، فلقد اضطر على حد قوله إلى ” تعلم اللغة الروسية ” حتى يستطيع أن يطلع على بعض الدراسات ” التي خفت أن أنشرها بعد أن قمت بترجمتها حتى لا تتم سرقتها ونسخها ولصقها وتحويرها .”. التحوير آفة العلم؛ فهو يحول المعلومات المفيدة إلى خطرة وفي معظم الأحيان إلى قاتلة كما أفادنا طبيب الأسنان محمد يوسف: “أخطر ما في المحتوى العربي هو الاجتهادات الطبية التي يقوم بها الخبير وغير الخبير، فتجد أحدهم قد دوّن ما جرى معه في مرضه وكيف تم تشخيصه ثم يذكر اسم الدواء ويختم ما كتب بمقولة اسأل مجرب ولا تسأل حكيم, المحتوى العربي يعرض الكثير من المعلومات التي يمكن أن تفيد ويمكن أن تكون قاتلة، لايجب الركون إليها, خاصة في الحالات الطبية, طبعاً, أنا لا أتكلم عن مواقع الأطباء فالطبيب يعرف تماماً خطورة التشخيص وذكر اسم الأدوية المخصصة لكل مرض على الانترنت ولكن الكم الهائل من الارتجال والكلام غير التخصصي الموجود على الانترنت جدير بأخذه في الاعتبار والبدء جدياً بدراسة إمكانية السيطرة عليه وإيجاد جهات تخصصية للمراقبة أو للتوعية ضد الأخذ بمحتوى كهذا, فلا يمكن مثلاً علاج التهاب الأذن الوسطى بوضع زيت الزيتون الدافئ صباحاً ومساء لمدة عشرة أيام في الأذن ” ختم الطبيب قوله.

كل إناء ينضح بما فيه

السيد عمار زيتون محام ومهتم بالوضع المعلوماتي في سورية، كونه هاوي برمجة مواقع الانترنت، أبدى وجهة نظره بقضية القصور في المحتوى العربي: “لا تحتاج إلى جوجل أو غيره لإخبارك بأن نسبة 2% التي يمثلها المحتوى العربي من مجموع المحتوى على الإنترنت، نسبة ضئيلة جداً, والأمر المفاجئ أنه قد مرت سنوات منذ دخول الانترنت إلى سورية والوطن العربي لكن في كل فرصة يذكر فيها المحتوى العربي المجدي يتهم بأنه  بالكاد يمثل تلك النسبة الهزيلة، ولا شيء تغير طوال تلك السنوات.”

لم يكُ السيد عمار متفائلاً في حديثه عن مستقبل المحتوى العربي:  ” الكثير من الحبر سال حول الموضوع، وكثير من المؤتمرات انعقدت دون فائدة. المأساة أنك لو تتبعت تفاصيل تلك المؤتمرات التي تتحدث عن أزمة المحتوى العربي، لوجدت كل المتحدثين فيها يكتبون حول الموضوع بالانجليزية. ولا شك في أنك لو حاولت تبادل الحديث مع أحدهم، ولو في الشارع حول موضوع عام، لما وجدته قادراً على تركيب جملة عربية خالصة لا تدخلها كلمات إنجليزية -أو فرنسية- بمناسبة أو من دونها. تلك هي المشكلة الحقيقية، إنها أزمة هوية وليست  مشكلة محتوى, الانترنت بمحتواها العربي الحالي هي مثل شطيرة همبرغر تؤكل سريعاً ولا تعطي غير الدسم والكوليسترول والطعم الطيب الذي تعتقده مفيداً.”

بالعودة إلى مقاهي الانترنت. وبينما كنت أستأذن مالك أحد المقاهي لمقابلة الناس في مقهاه، استوقفني رجل ستيني كان يبحث عن أحد ليرسل له بريداً الكترونياً لابنه: ” نحن العرب “ما بيلبقلنا شي” لانعرف كيف نتعامل مع التكنولوجيا ولا مع أي شيء آخر, ماذا كانت نتيجة الانترنت بعد عقد كامل في سورية لا شيء غير الاحتجاجات والتخريب والتآمر. أنا أحدثك من خلال خبرتي كشيخ كار اعتدت على تعليم الشباب المهنة, لو أن الانترنت كانت مفيدة وترفد الناس بالثقافة الحقيقية والواقعية التي تخدم الانسان ( ما كنا وصلنا لهون ) هذه نتيجة العلم الذي لا فائدة منه, العلم الذي لا ينفع..

 من بنى سورية اليوم, هم الناس الذين تعلموا من الكتب والورق ومشوا مسافات طويلة إلى مدارسهم وجامعاتهم وجلسوا أوقاتاً طويلة تحت ضوء الغرفة وعلى ضوء الشموع ليحفظوا العلم الذي أعطانا سورية اليوم. أما هذا الجيل (جيل الانترنت) فأنت تراه يخرب ويحرق ويدمر سورية, هذا ما تعطيه الانترنت !!! ”  

صوت الأرقام

إذا اعتبرنا أن الإنترنت – في ما يخص المحتوى- ليست سوى وسيط، مثله مثل الكتاب والتلفزيون، نجد أننا نظلم المحتوى العربي كثيراً؛ فإذا كان الإنتاج العربي للكتب لا يصل إلى 1.1% من الإنتاج العالمي، فمن البديهي أن يكون الأمر مشابهاً على الإنترنت. المشكلة الحقيقية ليست نقص المحتوى على الإنترنت

ذكرت دراسة للباحث (مؤمن النشرتي) عن واقع اللغة العربية في الانترنت إحصائية عن حجم المحتوى المتاح في الانترنت للعام 2010 أن اللغة العربية قد احتلت المرتبة السابعة من حيث اللغات المستخدمة على الانترنت بواقع 65 مليون مستخدم، واحتلت الانجليزية المرتبة الأولى بواقع 536 مليون مستخدم، وبعدها جاءت الصينية بواقع 445 مليون مستخدم، وبعدها مباشرة الإسبانية بواقع 153 مليون مستخدم، وبعدها اليابانية بواقع 99 مليون مستخدم، ثم البرتغالية 82 مليون مستخدم، فالألمانية 75 مليون مستخدم.
ويمكننا من خلال هذه الاحصائية تفحص الفرق في عدد المستخدمين بين الانكليزية والعربية! هذا إذا ما سلمنا أن نسبة استخدام العربية في النت لا تتعدى 3.3% من مجمل مستخدمي الانترنت في العالم! ولكن الذي يخفف من وطأة الصدمة أن العربية- إلى هذه اللحظة- أكثر استخداماً من الفرنسية التي يستخدمها حوالي 60 مليون مستخدم.

والعربية التي مازالت تشتكي من قلة المحتوى الرقمي في مجموعة المكتبة الرقمية العالمية، ومن ثم قلة المستخدمين لهذا المحتوى العربي في هذه المكتبة التي تعد موقعاً مهماً يجمع الإنتاج الفكري العالمي.

الرمق الاخير

نبيل الدبس، مشرف سابق على الفريق الوطني لصناعة المحتوى العربي الرقمي المنبثق عن اللجنة، لم يكن راضياً عن حال المحتوى الحالي: “المحتوى العربي ينمو كماً لا نوعاً، وكل الأرقام التي تذكر في الصحافة والموضوعات التي تعنى بهذا الشأن ما هي إلا حبر على ورق. العبرة في نوعية المادة المطروحة في المحتوى، والتي تعتبر فقيرة حتى الآن…” وذكر الدبس أنّ مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر وفيسبوك) لا يمكن أن تندرج تحت اسم محتوى.

وعن الجهود المبذولة في سبيل تطويرالمحتوى العربي، يقول الدبس: “سورية كانت من الدول السبّاقة في طرح مشكلة المحتوى العربي، حيث استضافت في العام 2009 المؤتمر الأول لصناعة المحتوى الرقمي العربي، الذي كان هدفه إنشاء صناعة للمعرفة. الأمر الذي سيساعد في تحقيق التنسيق العربي الشامل، ويضمن الرقي بالمحتوى الرقمي. وتمخض عن هذا المؤتمر لجنة باشرت العمل، وخرجت بثلاث مبادرات؛ المبادرة الأولى كانت حول تقييس المحتوى العربي، بمعنى “وضع الأسس الأولية التي تقاس من خلالها جودة المحتوى ومدى فاعليته”، والمبادرة الثانية هي كيفية صنع المحتوى التعليمي العربي لكل الناطقين بالعربية. أما المبادرة الثالثة، فكانت حول المحتوى المرئي والمسموع في سورية. كلّ هذه الجهود توقفت ـ يقول الدبس ـ “بسبب الأحداث التي تمر بها سورية، حيث كان من المفترض إطلاق

الشهادة الوحيدة التي جاءت مؤيدة للمحتوى العربي على الانترنت، جاءت خجولة لتشي بأن الشيء المفيد أنك تستطيع أن تحقق حريتك وتعبر عن نفسك بشكل أكبر في الانترنت دون رقيب علمي . لكن هذه الحرية أصبحت من النوع الذي يجب التوقف عنده والتمعن به ملياً لمعرفة واكتشاف هل أصبح المحتوى العربي هو عشوائية العلم و مجموعة إرهاصات لعودة عصر الهرطقة العلمية والسفسطة، وقد قيل”نصف العلم أخطر من الجهل”؟! 

 نبيل الدبس، مشرف سابق على الفريق الوطني لصناعة المحتوى العربي الرقمي المنبثق عن اللجنة، لم يكن راضياً عن حال المحتوى الحالي: “المحتوى العربي ينمو كماً لا نوعاً، وكل الأرقام التي تذكر في الصحافة والموضوعات التي تعنى بهذا الشأن ما هي إلا حبر على ورق. العبرة في نوعية المادة المطروحة في المحتوى، والتي تعتبر فقيرة حتى الآن…” وذكر الدبس أنّ مواقع التواصل الاجتماعي (تويتر وفيسبوك) لا يمكن أن تندرج تحت اسم محتوى.

وعن الجهود المبذولة في سبيل تطويرالمحتوى العربي، يقول الدبس: “سورية كانت من الدول السبّاقة في طرح مشكلة المحتوى العربي، حيث استضافت في العام 2009 المؤتمر الأول لصناعة المحتوى الرقمي العربي، الذي كان هدفه إنشاء صناعة للمعرفة. الأمر الذي سيساعد في تحقيق التنسيق العربي الشامل، ويضمن الرقي بالمحتوى الرقمي. وتمخض عن هذا المؤتمر لجنة باشرت العمل، وخرجت بثلاث مبادرات؛ المبادرة الأولى كانت حول تقييس المحتوى العربي، بمعنى “وضع الأسس الأولية التي تقاس من خلالها جودة المحتوى ومدى فاعليته”، والمبادرة الثانية هي كيفية صنع المحتوى التعليمي العربي لكل الناطقين بالعربية. أما المبادرة الثالثة، فكانت حول المحتوى المرئي والمسموع في سورية. كلّ هذه الجهود توقفت ـ يقول الدبس ـ “بسبب الأحداث التي تمر بها سورية، حيث كان من المفترض إطلاق المؤتمر الثاني لصناعة المحتوى العربي لمتابعة ما تمّ إنجازه والبناء عليه، لكنّه تأجل إلى أجل غير مسمّى، والظروف الحالية منعت اللجنة من متابعة عملها، وتقلّص عدد أعضائها، كما انعدم التنسيق المشترك حتى بين الدول العربية”..

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s